لجوء كوفي أنان الى موسكو لإقناعها بممارسة ضغوط تساعد في دفع بشار الأسد الى تطبيق الخطة السداسية تحت طائلة فرض مجلس الأمن عقوبات جديدة على دمشق، يمثل يأساً صريحاً من إمكان التوصل مباشرة الى اتفاق مع الرئيس السوري على هذا الأمر.
لكن أنان وجد نفسه، ويا للمفارقة، أمام معادلة: "يا حصرماً رأيته في موسكو كما أراه في حلب"، بمعنى ان سيرغي لافروف تعمّد عقد مؤتمر صحافي عشية وصول أنان، رفض فيه ممارسة أي ضغوط على الأسد، مؤكداً التمسك ببقائه في السلطة رغم شلالات الدم التي تُغرق البلاد وأكد لافروف رفض موسكو ربط تجديد مدة انتداب المراقبين الدوليين بعقوبات على النظام اذا لم يتوقف عن قصف المدن والأحياء بالأسلحة الثقيلة!
والمثير ان موسكو تتهم الدول الغربية بـ"الابتزاز" لمجرد أنها تحاول ربط التمديد للمراقبين بالعقوبات. ربما لأن موسكو تريد الاستمرار في استخدامهم كورقة تعمية او تمويه على المذابح التي تشهدها سوريا، وخصوصاً أنهم يلازمون فنادقهم منذ شهر حزيران الماضي ولا يسمح النظام لهم حتى بامتلاك هواتف دولية خوفاً من ان يقوموا بتقديم شهاداتهم عن وحشية القتل الذي ينتشر في المدن والأحياء!
كان واضحاً منذ البداية ان النظام وكذلك روسيا يريدان مهمة أنان مجرد قناع لكسب الوقت للحل العسكري الذي شبع فشلاً. والجديد في نظريات لافروف أنه يريد تعديل مهمات المراقبين الذين انتدبوا للإشراف على سحب قوات الجيش تمهيداً للانتقال الى الحل السياسي، الذي كان يعني صراحة ترك السوريين يغيّرون النظام، لتحويلهم نوعاً من لجان ارتباط بين النظام والمعارضة تكلف أيضاً مهمات سياسية عجزت عنها الأمم المتحدة بعد الجامعة العربية، وهذا يعني عملياً ان روسيا تريد ان يتم تمديد انتداب المراقبين لكي يبقوا مجرد شهود زور على ما يجري من المآسي التي تتحمل هي معنوياً وسياسياً وأخلاقياً مسؤولية كبيرة حيالها!
ليس كثيراً اذا قلنا ان كلام لافروف يأتي من خارج المنطق البسيط المتعامي عن عمق الجروح واتساع المشكلة في سوريا، وخصوصاً عندما يقول: "لم نتمكن من إقناع المعارضة بالتخلي عن مطلب تنحية الأسد"، في حين ان المعارضة هي التي عجزت عن إقناع موسكو بالتخلي عن الأسد بعد 16 شهراً من حمامات الدم والمذابح، التي أغرقت سوريا وتؤكد كل يوم سقوط أوهام الحل العسكري الذي ربما لا تزال موسكو مقتنعة به، كما يحاول الأسد إقناع العالم بأنه يقاتل "الارهابيين" لا المواطنين، رغم ان القتال دخل ساحات العاصمة دمشق بما يؤكد ان النظام يتفتت!