إنّه قدر المسيحيين أن يتولّى شخص من صفوفهم مهمّة إنهاء وجودهم السياسي عن آخر بقعة في المشرق العربي. منذ تولّيه رئاسة الحكومة الانتقالية والمآسي تتوالى. فوّت عليهم فرصة انتخاب رئيس للجمهورية في العام 1988، وفرصة التخلّص من الجيش السوري في العام 1989 ومن «حزب الله» في العام 2005….
إعتقد كثيرون أنّ مهمته ستنتهي مع انتهاء النظام السوري، لكنّه قرّر، على طريقة الأرض المحروقة، أن ينهي ما تبقّى من المسيحيين تزامناً مع نهايته ونهاية الرئيس السوري. فهو مكلّف كما دائماً باستخدام المسيحيين أكياس رمل لأغراضه الخاصّة.
فبعد أن وجد «حزب الله» نفسه محاصراً بالثورات العربية والصعود الإسلامي والتعبئة الإسلامية في لبنان وقرب انهيار النظام السوري، وبعد أن وجد الحزب نفسه عاجزاً عن تسمية الشيخ أحمد الأسير بالاسم للردّ عليه، وبعد أن وجد الحزب نفسه أيضاً عاجزاً عن تنفيذ 7 أيّار أخرى في الشمال، لجأ إلى العماد ميشال عون لنشر الفوضى وإشعال حرب إضافية على الحروب التي اعتاد إشعالها، وذلك بغية إظهار الدولة مُفكّكة والجيش عاجزاً وأنّ الحزب هو القوّة البديلة للوصاية على القرار اللبناني.
وبعد أن وجد النظام السوري أنّ الحرب انتقلت إلى داخل دمشق وبشراسة استثنائية، وبعد أن وجد النظام السوري أنّ فرصته الوحيدة المتبقّية تكمن في إشعال النار اللبنانية من الداخل وليس مع إسرائيل، لأنّ تداعيات المواجهة مع تل أبيب لا يمكن ضبطها، وبعد أن وجد النظام السوري أيضاً أنّ فرصته الوحيدة المتبقية للنجاة تكمن في إشعال الحرب الطائفية في لبنان تبريراً لإقامة الدولة العلوية، لجأ إلى ميشال عون لإعادة الصراع إلى ما كان عليه إبّان الحرب الأهلية.
فهذا الاستفزاز المتواصل والمتعمّد منذ سنوات للطائفة السنّية بكل رموزها وشخصياتها وبشكل غير مقبول وغير لائق يخرج عن أدبيات السياسة اللبنانية، كان الهدف منه الوصول إلى هذه اللحظة لإعادة تحوير الصراع من صراع بين 8 و14 آذار إلى صراع بين المسيحيين والسنّة، ومن منطلقات أقلوية لمواجهة الأكثرية السنية بعضلات المسيحيين العونيين، خصوصاً أنّ أكثر ما أزعج النظام العلوي في سوريا ونظام ولاية الفقيه في إيران وامتداداته اللبنانية تحوُّل السنة في لبنان إلى رأس حربة في الدفاع عن السيادة الوطنية.
فأهمّ إنجاز يُسجَّل للحريرية السياسية أنّها أسّست لخط سياسي جديد داخل البيئة السنّية اللبنانية. فهذا التحوُّل ليس تفصيلاً في الحياة الوطنية، إنّما يشكّل تحوّلاً تاريخيّاً في مسار الجماعة السنّية، ومحطة مفصلية ما قبلها غير ما بعدها، إذ نجحت الحريرية في مصالحة الوجدان السنّي مع لبنانيته، هذه اللبنانية التي تحوّلت أولويةً في أجندتها الوطنية وأفضت إلى رفعها شعار «لبنان أوّلاً».
وهذا ما يفسّر محاولات استهداف الحريرية السياسية التي لم تتوقّف من تعطيل حكومتي الرئيس فؤاد السنيورة إلى إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري، وما بينهما إقفال وسط بيروت واستمرار الاغتيالات و7 أيّار وغيرها الكثير من الأحداث التي تندرج جميعها تحت عنوان واحد: إخضاع أهل هذا الخيار السياسي وتطويعهم تمهيداً لإعادة الفرز الطائفي ووضع اليد على البلد مجدّداً.
وتبعاً لذلك، قرّر العماد عون إعادة استنساخ فصل من أبرز فصول بدايات الحرب الأهلية من زاوية تصوير المسيحيين بأنّهم مع الجيش وأنّ المسلمين ضدّه، مع فارق أنّ المسيحيين في مطلع السبعينيّات كانوا ضدّ الوجود الفلسطيني المسلّح على الأرض اللبنانية، فيما لا يجوز أن يكونوا اليوم في موقع الداعمين للجيش ضدّ شركاء لهم في الوطن، فضلاً عن أنّ الجيش المكوّن من أبناء هذا الوطن ليس في هذا الوارد، لا بل أنّ أحد أبرز أهداف ما يقوم به «التيار الوطني الحر» هو ضرب الجيش وشلّه، لأنّ قوّة هذا الجيش، بكل بساطة، متأتية من توافق اللبنانيين، لا اختلافهم.
فالقاعدة الذهبية لتمكين الجيش من ممارسة مهامه في الدفاع عن السيادة وحفظ الاستقرار تكمن في التوافق بين اللبنانيين، لأنّ اختلافهم يعني تعطيلاً للجيش، والأمثلة أكثر من أن تُعدّ وتُحصى منذ العام 1973 إلى اليوم، ومن يدّعي اليوم الدفاع عن الجيش يريد عمليّاً تكبيله وشلّه لأهداف مكشوفة ومبيّتة خدمة لسوريا وإيران و»حزب الله».
ويبقى هل من المسموح أن يلجأ طرف سياسي لديه 10 وزراء في الحكومة إلى الشارع؟ وهل يعتقد أنّ نقل الصراع إلى المنطقة المسيحية لتعبئتها ضدّ الطائفة السنّية وتجديد الحرب الأهلية يمكن أن يمرّ من دون عواقب تطاله شخصيّاً؟
لقد قرّر الانتحار، لكنّه بالتأكيد سينتحر وحيداً، لأنّ المسيحيين لن يسمحوا بأن يكونوا أدوات لسوريا وإيران و»حزب الله» الذين قرّروا تفجير الحرب الأهلية انطلاقاً من البيئة المسيحية.
