كتب طوني عيسى في "الجمهورية":
ترقَّب الرئيس سعد الحريري باهتمام نتائج التصويت السنّي في الكورة. سمع الملاحظات حول التراجع النسبي في المشاركة والتراجع البسيط في دعم مرشّح «القوات اللبنانية»، لكنّه بدا مطمئنّاً. ونَقل عنه المتّصلون به أنّ ما جرى طبيعي في انتخابات فرعية، وفي ظروف كالتي يعيشها الوضع السنّي.
عدد الناخبين السُنّة في المعركة الفرعية ناهز الـ 3800 ناخب، مقابل 4600 في انتخابات 2009، أي بتراجع نحو 20 في المئة. وتقول مصادر قيادية في تيار «المستقبل» إنّ 68 في المئة من أصوات الناخبين كانت لمرشّح 14 آذار، في مقابل 25 في المئة لمرشّح الحزب السوري القومي الاجتماعي. وإنّ الحجم الحقيقي للتصويت السنّي ضدّ مرشّح 14 آذار لم يشهد سوى تراجع طفيف عمّا كان عليه عام 2009، لم يصل إلى مستوى الـ 4 في المئة.
وفي تقدير المصادر أنّ هذه النسبة ضئيلة، وهي طبيعية نتيجة دخول قوى كرئيس الحكومة نجيب ميقاتي والرئيس عمر كرامي والوزير محمد الصفدي على الخطّ.
وفي أيّ حال، إنّ هذا التراجع ظرفي وناتج من الوضع السنّي السائد حاليّاً، نتيجة الضغوط والتهديدات والإغراءات المالية والخدماتية التي طبعت معركة 8 آذار. وتؤكّد أنّ هذا الحجم بلغ حدّه الأقصى، وهو سيتّجه نزولاً في الاستحقاقات المقبلة.
بسيط… ولكن!
لكن في مقابل الاطمئنان الذي يحرص «المستقبل» على تظهيره، ثمّة مَن يقول في 14 آذار: «صحيح أنّ هذا التحوُّل «بسيط» و»غير خطر»، لكنّ إهماله قد يكون له أثر في استحقاق 2013. ولا تستطيع 14 آذار أن تنام على أمجاد انتصارها في الكورة، وأن تكتفي بفوز مرشّحها، مرشّح «القوات اللبنانية»، لتقول إنّ كلّ شيء يسير على ما يرام. وهناك ورشةٌ على 14 آذار أن تطلقها بدءاً من هذه اللحظة لضمان استحقاق 2013.
ففي الشقّ المسيحي، حقّقت «القوات» إنجازاً برفع منسوب التأييد الأرثوذكسي والماروني، على حساب خصومها المسيحيّين، وأثبتت أنّها ماضية في إسقاط شعار رئيس تكتّل «التغيير والاصلاح» النائب ميشال عون و»الـ 70 في المئة من المسيحيّين». لكن هناك ثغرة لدى الناخب السنّي يجدر تحليل طبيعتها وأسبابها والعمل على إقفالها باكراً.
فالحالة السنّية تعيش وضعاً حسّاساً منذ الإخراج القسري للحريري من السراي. وهناك خطة لإنهاء زعامته العابرة للمناطق داخل الطائفة السنّية، وتحويلها في المرحلة الأولى واحدة من الزعامات المحدودة الانتشار والقوّة، تمهيداً لـ»تذويبها» تدريجاً. ولهذا السبب، دُفِعَ الحريري إلى المنفى القسري، من طريق التهديد بالاستهداف الجسدي. وهذا ما عطّل التفاعل بينه وبين القواعد السنّية في مختلف المناطق، حتى قيل: «إنّ الحريري في مكان آمن، لكنّ الحريرية وتيّار «المستقبل» في خطر».
وثمّة من يعتقد أنّ الأسباب السياسية التي أفرزت تراجعاً في حجم المشاركة السنّية واتجاهها، تعود خصوصاً إلى غياب التواصل المباشر بين الحريري والجمهور السنّي في مختلف المناطق، وإلى عدم قدرة نوّاب «المستقبل» وتكتّل «لبنان أوّلاً» على تقديم الخدمات نتيجة خروج 14 آذار من الحكم، إضافةً إلى نموّ تيارات سلفية و»شبه سلفية» (الشيخ أحمد الأسير) في الأوساط السنّية المناطقية، عكّار وطرابلس وصيدا وسواها، وهي تُنافس «المستقبل» في شعاراته، وقد تكون لها مواقعها في الاستحقاقات المقبلة.
وهناك إمكانات مالية وخدماتية يضعها سُنّة 8 آذار في خدمة المعركة. ففي يد هؤلاء ما لا يملك «المستقبل» تقديمه: الضغوط لـ"تخفيف"الدعم والخدمات… ثم التبرّع بتقديمها مقابل الولاء السياسي. ودور ميقاتي في ملفّ الموقوفين الإسلاميّين نموذج. ويقوم هؤلاء بالتشويش على صورة الحريري لتصويره غير قادر على تحمّل مشقّات المرحلة.
ويبدي بعض الأوساط قلقاً من أنّ هذه الأسباب ليست مرشّحة للزوال في المدى المنظور.
فلا الحريري سيعود، ولا حكومة ميقاتي ستتبدّل، ولا الغالبية ستنقلب مجدّداً، ولا مستوى التواصل المنتج بين رأس «المستقبل» وقواعده في صدد العودة إلى طبيعته. ولذلك، يُخشى أن يعمَّم نموذج الصوت السنّي في الكورة على الدوائر الأخرى ذات الثقل السنّي في لبنان كلّه.
ويعتمد البعض قراءة جيومترية لهذه المسألة، فيقول: «إذا كان تراجُع الحماس السنّي للانتخابات وتأييد مرشّح «القوات» ناتجاً عن خطٍّ بياني انحداري بدأ قبل عام، أي بعد خروج الحريري من السراي، فإنّ هذا الخطّ الانحداري سيبلغ نقاطاً خطرة بعد عام. ولا يمكن تيار «المستقبل» وفريق 14 آذار إلّا العمل لإصلاحه. فخسارة الصوت السنّي في استحقاق 2013 تعني لـ 14 آذار خسارة السلطة نهائيّاً. لكنّ المصادر القيادية في «المستقبل» لا تتبنّى هذه النظرية المقلقة، وتقول: الفارق بعد اليوم سيتقلّص ولن يتّسع.
وفي أيّ حال، الحريري المهدّد كسائر رفاقه في 14 آذار، وأبرزهم رئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع، تلقّى إنذاراً مبكّراً وثميناً جدّاً، شاء القدر أن يقدِّمه إليه بغياب النائب فريد حبيب، قبل أقلّ من عام على الانتخابات العامة. وسيكون العمل على سدّ الثغرة بدءاً من هذه اللحظة أفضل الطرق إلى المعالجة.
والإنذار الذي تلقّاه الحريري كان اليوم مجانياً، أيّ أنّ 14 آذار فازت بالمعركة على رغم الثغرة المفترضة، ولكن لا مجال بعد اليوم سوى للتجارب المدفوعة الثمن… إلّا إذا حصل التغيير المنتظر في دمشق. عندئذٍ، كلّ الخيارات تصبح واردة.