هنا يقوم أنصار التيار المدني العلماني الحرّ الهادف الى بناء دولة عصرية وديموقراطية والذي يسمى "التيار الوطني الحر"، يقوم هؤلاء برشق المياومين في شركة كهرباء لبنان بالحجارة، وهؤلاء المعتصمون يطالبون بحقوق مشروعة لهم، الا أن وزير التيار يعتقد أن الوزارة ملك له، فيرسل "الزعران" من أنصاره للدفاع عن سياسته بـ"الزعرنة". كما يفعل زميله وزير الإتصالات نيكولا صحناوي الذي يرسل رسائل وزارة الإتصالات للتبليغ عن عطل ما او تصليح عطل ما او عن خدمة جديدة، الى المواطنين بإسمه الخاص، وكأنه بدوره يعتقد أن الوزراة باتت مكتوبة بإسمه.
هناك يقوم السوريون بدكّ أسس النظام المستبد الذي لم ترمش لقادته عين بينما تتغمس أيديهم بدماء الشعب السوري وأطفاله ونسائه ومثقفيه وطلابه وأبطاله.
هنا يقوم أنصار التيار العلماني الحرّ بقطع الطريق بالحجارة والإطارات رفضا لتوقيف عناصر وضباط من الجيش اللبناني، لدى القضاء اللبناني، وليس لدى فئة حزبية ما وبموافقة قيادتهم في الجيش بسبب جريمة قتل لم تعرف ملابساتها بعد، ومتروك أمر تحديدها للقضاء والتحقيق.
هناك يقوم الشعب الأعزل والجيش الحر المسلح بعتاد خفيف وذخيرة مصنوعة يدويا باستمالة عناصر الجيش المترددين، ويقومون بالقضاء على زمرة كل ما يهمها الحفاظ على السلطة ولو كان ذلك ثمنه بحرا من دماء السوريين الأحرار الذين يبحثون عن عدالة وحرية وعيش كريم.
هنا تعلن محطة "او تي في" التابعة للتيار عن "استشهاد" آصف شوكت وغيرهم ممن قتلوا في تفجير دمشق البارحة، وكأن كل عذابات مناضليها القدامى يوم كان جنرال التيار منفيا في باريس، ذهبت سدى. فـ"الشهيد" الذي استباح لبنان بمخابراته، واعتقل وعذّب وقتل من قتل من مناصري "جنرال التيار" ومن غيرهم من اللبنانيين الذين رفضوا نظام الوصاية السورية قد تم إعفاؤه من قبل الجنرال من كل خطاياه، فالمعركة اليوم مصيرية، ولم يعد إستقلال لبنان ووحدته ووحدة اراضيه وشعبه ضد أي طرف خارجي يريد وضع اليد عليه أو إحتلاله أو تسييره كما يشاء؛ لم يعد كل هذا بالنسبة الى الجنرال "الغضوب" ذا أهمية أمام المعركة الكبيرة التي ستجعله صغيرا صغيرا في لبنان أمام مناصريه ثم أمام الشعب اللبناني. فالجنرال الذي اعتاد الخيارات الخاطئة يدعم النظام السوري بعدما تخلى عنه شعبه وكل العالم، بعدما وقف ضد هذا النظام قبل عشرين سنة حين كان كل العالم معه. إنها الحسابات الخاطئة التي يجرّ بواسطتها الجنرال جزءاً من الجمهور المسيحي المغرّر به نحو الهاوية، وقبلها نحو الشارع، كما يفعل حليفه "حزب الله" الذي يجر طائفة بأمها وأبيها الى المجهول بسبب خياراته الخاطئة ايضا بوقوفه الى جانب نظام مستبد يقتل شعبه أمام نظر كل العالم.
هنا تبدو جليّة حالة القهقرة التي تعيشها الحكومة وحركات الممانعة التي تتألف منها بعدما تكاد ان تجر البلاد الى الفتنة والهاوية. وهنا في بلادنا "البريئة" هذه، لا يرعوي الساسة ولا يتعلمون من دروس الماضي ودروس الحاضر التي تجري أحداثها أمام أنظارهم. لا يتعلمون أن الحاكم الجائر زائل لا محالة وأنهم زائلون بزواله طالما أنهم يدعمونه الى الأبد.
هناك يُعلِّم المناضلون السوريون أنه ما ضاع حق وراءه مطالب، وأن الشعب الذي يطلب الحرية لا يستكين قبل تحقيقها، وهذا ما سيفعله السوريون عاجلا أم آجلا، وحينها ترتاح بلادهم من طغاتها ليسيروا على طريق بناء ديموقراطيتهم؛ وهكذا يرتاح لبنان من داعمي الطغاة وطغيانهم ومن مفضّلي مصالحهم الخاصة على مصلحة بلدهم بعدما اكتوى بنار جحيمهم الذي يؤججون ناره منذ أن أشعلوه في 14 شباط 2005.
شيئاً فشيئاً تتأكد مقولة سمير قصير: "ربيع العرب حين يزهر في بيروت، إنما يعلن أوان الورد في دمشق".