#dfp #adsense

سياسة إدارة الدولة بالمجازر

حجم الخط

"المؤلم عن مرتكبي المجازر أنهم يبدون كبشر عاديين!"
(هانا أرندت)

مجزرة حماة الكبرى:
انطلقت أحداث المجزرة في 2 شباط 1982 واستمرت على مدى 27 يوماً في حملة عسكرية لقوات مشتركة من سرايا الدفاع والدبابات والمدفعية والقوات الخاصة وفروع حزب "البعث"، وقد قاد الحملة أخو الرئيس السوري حافظ الأسد العقيد رفعت.

يقول الصحافي "روبرت فسك" الذي زار المدينة بعد المجزرة إن عدد القتلى حوالى عشرة آلاف أما جريدة "الاندبندنت" فقالت إن عدد القتلى عشرون ألفاً.
ووفقاً لتوماس فريدمان فإن رفعت الأسد كان دائماً يتباهى بأنه قتل 38 ألفاً في حماة.
أما اللجنة السورية لحقوق الإنسان فتقدر عدد القتلى بين 30 و40 ألفاً، قضى معظمهم رمياً بالرصاص في مجازر موصوفة ودفنوا في مقابر جماعية.

وهناك أيضاً 15 ألف مفقود ومئة ألف مهجر. كما دمر قلب المدينة التاريخي تدميراً كاملاً. وتشير التقارير إلى أن حافظ الأسد كان قد منح القوات المسلحة كامل الصلاحيات لضرب المعارضة وتأديب المتعاطفين معها، ففرضت السلطات تعتيماً إعلامياً كاملاً لتفادي الاحتجاجات الشعبية وإمكان الإدانات الخارجية، وقطعت كل السبل للوصول إلى المدينة.

وقد عمد حافظ الأسد بعد المجزرة إلى مكافأة المشاركين فيها فأصبح رفعت الأسد نائباً للرئيس ومحافظ المدينة محمد حربا وزيراً للداخلية وتمت ترقية الضباط المشاركين بصورة استثنائية.
لقد شكلت هذه المجزرة، وبضعة مجازر أخرى في أوائل الثمانينات من القرن الماضي، إعلاناً واضحاً من نظام حافظ الأسد بأن القتل الجماعي هو الشعار الأساسي في إدارة الدولة لأجل ديمومة حكم الأسد "إلى الأبد وإلى ما بعد الأبد".

الواضح هو أن هذه السياسة أثبتت نجاحها منذ ذلك الوقت بدليل أن العالم يومها لم يسمع بهذه المجزرة إلا همساً، وبقيت أخبارها تتناقل على سبيل الإشاعات، ولا أذكر يومها أي رد فعل عملي من أي من دول العالم على هذه المجزرة باستثناء بعض الإدانات الخجولة المتفرقة. لذلك فإن بشار الأسد اليوم لا يزال حتى اليوم يتوقع أن يعامله العالم باللامبالاة نفسها التي عاملوا والده في السابق بها… وقد يكون مستغرباً وعاتباً على الظلم الذي يلحق به من العرب والعالم في حين أن أحداً في السابق لم يحرك ساكناً على مجازر الوالد والعم! وعاد بعدها حافظ الأسد ليكون الزعيم الحكيم والخالد والصامد والمقاوم وأبو الأمة الحنون…
ظروف 1982

بالطبع، ككل الطغاة، لم يستوعب أن الظروف يمكن أن تتغير وأن المصالح تتبدل وأن من استخدموا والده في السابق قد يكون لديهم الآن مشاريع أخرى. ففي تلك الأيام السوداء كان العالم يعيش في ظل الحرب الباردة، وكان مسرح هذه الحرب يمتد على جزء كبير من الكرة الأرضية، وربما اعتبر أبناء حماة ضحايا جانبيين لهذه الحرب.

بالطبع، لم يكن ذلك "الشيطان" المسمى ثورة التواصل الالكتروني موجوداً، لذلك فإن مظلومية فرد أو مجموعة أو شعب، كانت محاصرة بقدرة القاتل على تغطية الجريمة، وكان يكفي النظام السوري أن يتمترس وراء الستار الحديدي أو يكتفي بفرض قوانين الطوارئ ليمنع خروج أي معلومة غير مصرح بها وذلك لدواعٍ "قومية وسيادية" ولمنع "العدو الإسرائيلي من الاستفادة من هذه المعلومات لبث الدعاية المغرضة عن الجبهة الداخلية لسوريا الأسد!". وكأن العدو الإسرائيلي لم يكن يعلم بالتفاصيل الدقيقة لشؤون هذا النظام، وبعضها حتى قبل أن يحدث، وربما كان الكثير من تصرفات نظام القتل في سوريا منسقاً مسبقاً مع "العدو الإسرائيلي".

ما لنا هنا ومنطق التخوين والمؤامرة، ولكن وقائع ومنطق الأمور يؤكدان أن نظام عائلة الأسد كان يؤدي، عن معرفة أو غير معرفة، دوراً مدروساً بدقة واتقان من قبل أوساط صنّاع القرار في الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل. يكفي أن نتذكر في أي ظروف انقلب حافظ الأسد على رئيسه صلاح جديد، وماذا نمي عن التفاهمات بينه وبين هنري كيسنجر، وكيف سمحت إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية لنظام الأسد باحتلال لبنان والتزام هذا النظام بالخطوط الحمر الجغرافية لانتشار قواته.

أما في سنتي 1982 و1983 فقد تشارك نظام الأسد مع إسرائيل في القضاء على وجود منظمة التحرير في لبنان عندما اجتاح العدو الإسرائيلي جنوب لبنان. وصولاً إلى بيروت وخط الشام في الجبل والبقاع، ومن ثم تولى النظام السوري مهمة الإجهاز على المنظمة في البقاع والشمال.

وعلى الرغم من ذلك كله فقد بقي حافظ الأسد زعيماً "خالداً وملهماً وحكيماً" بفضل قدرة نظامه على ايجاد الأسباب ليكون عنصراً تحتاجه القوى المتنافسة والمتناقضة وأحياناً المتوافقة لقضاء حاجة ما في لحظة ما.
بشار يبحث عن "قميص" حافظ

يحق اليوم لبشار الأسد بعد إفلاسه أن يفتح دفاتر والده العتيقة، أو أن يبحث عن "القميص" الذي سكنت فيه روحه علّه يحظى بنصيحة مفيدة عن كيفية إدارة المجازر من دون إثارة ردود الفعل، أو ربما أنه يتأمل الكواكب السيّارة معتقداً أن حافظ الأسد عاد ليسكن فيها علّه يستلهم من روحه معالم الطريق.

ولكن، هل يراهن بشار بالفعل على وهم؟! الحقيقة هي أن استمرار العالم في عدم الوصول إلى قرارات عملية في وقف المجزرة المستمرة في سوريا من حمص وحماة وإدلب والتريمسة، وغداً في دمشق وحلب واللاذقية وبانياس، يجعلني أعتقد أن بشار لا يزال جزءاً مكملاً من رؤيا متجددة للمنطقة حول دول الأقليات المماثلة في تركيبتها للدولة اليهودية.

وما المجازر والعنف المتمادي إلا أحد المشهديات الضرورية لإعادة رسم جديد للخارطة السياسية الإقليمية على حساب أرواح مئات الآلاف من الأبرياء. ومن يدري، فقد نرى قريباً قوات مشتركة للناتو والاتحاد الروسي لحماية الكيانات المستجدة؟!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل