كتب معروف الداعوق في "اللواء":
تزامنت الإطلالة الإعلامية للأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصر الله هذا العام بمناسبة الذكرى السادسة لحرب تموز الاسرائيلية على لبنان عام 2006، مع جملة أحداث وتطورات تعصف بالمنطقة العربية عموماً بعد تمدّد رقعة الربيع العربي الذي شمل دولاً عديدة والذي حطّ رحاله على الساحة السورية بفعل الانتفاضة الشعبية العارمة ضد النظام السوري الحليف الوحيد للنظام الإيراني في المنطقة، وتفاعل الأحداث الإقليمية على خلفية فشل المحادثات الغربية – الإيرانية لحل مشكلة الملف النووي الإيراني، وتسارع وتيرة التهديدات الإسرائيلية والأميركية بتوجيه ضربة عسكرية مدمّرة ضد المنشآت النووية الإيرانية بعد زيادة إجراءات الحصار الاقتصادي الغربي ضد إيران، إضافة الى ما يشهده لبنان حالياً من تفاعلات سلبية نتيجة الأحداث في سوريا والضعف العام الذي يعصف بالتركيبة السلطوية عموماً جرّاء تحكّم سلاح "حزب الله" بمقادير الدولة وسلطة القرار فيها منذ استيلائه على السلطة بقرار سوري – إيراني قبل عام ونصف تقريباً.
ولقد جاءت الاطلالة الاعلامية لنصر الله في هذه المرحلة الدقيقة والحساسة التي تمر بها المنطقة العربية عموماً، لتوجيه عدة رسائل وفي اكثر من اتجاه على حدٍ سواء، واولها رسالة ايرانية واضحة للغرب واسرائيل معاً، بأن سلاح "حزب الله" هو سلاح ايراني محض وسيكون موجهاً بشكل مباشر ضد اسرائيل وبدون تردد في حال قيام الدولة العبرية او الولايات المتحدة الاميركية بتوجيه ضربة عسكرية كثر الحديث عنها مؤخراً ضد المنشآت النووية الايرانية، او حتى في حال نشوب اي نزاع مسلح في الخليج على خلفية الحصار الاقتصادي الغربي المفروض على الجمهورية الاسلامية والذي بدأ يعطي مفاعيله على صعيد تردي الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الداخل الايراني وزيادة التململ الشعبي جراء استمراره على هذا النحو.
اما الرسالة الثانية فموجهة ضمناً ضد المملكة العربية السعودية ولو من باب توجيه الانتقادات لمواقفها ولكنها تحمل في فحواها مضموناً ايرانياً مكشوف الفحوى والهدف، اضافة الى العتب الظاهري ضد حركة "حماس" الفلسطينية التي اختارت الانحياز الى جانب الثورات العربية وتحديداً الثورة السورية والانكفاء ضمناً عن تحالفها السابق مع النظامين السوري والايراني على حساب علاقاتها العربية عموماً.
وبالنسبة للداخل اللبناني، كانت الرسالة شديدة الوضوح، واعاد نصر الله تأكيد المؤكد بمرجعية الحزب الايرانية بلا منازع وعلى حساب لبنان ومصالحه واعتراض اكثرية ابنائه على هذا الواقع، واعطاء اكثر من إشارة غير مباشرة لكل الاطراف السياسيين بأن لا جدوى من طرح موضوع الاستراتيجية الدفاعية على طاولة الحوار لاستيعاب سلاح "حزب الله" وان كل ما يطرح في هذا الخصوص لا جدوى منه وهو بمثابة إضاعة للوقت، وهذا معناه الاطاحة بطاولة الحوار التي جهد رئيس الجمهورية بكل قواه لاعادة اجتماعاتها التي عطلها الامين العام لـ"حزب الله" شخصياً من قبل بإيعاز مكشوف من الرئيس السوري بشار الاسد، لان وظيفة السلاح الموجود حالياً في حوزة الحزب لم تنتهِ بعد في ظل الظروف التي تمر بها المنطقة وتحديداً عدم توصل ايران إلى اي اتفاق شامل مع الغرب بخصوص الملف النووي الايراني.
وبالطبع حاول نصر الله القفز فوق تداعيات اهتراء النظام السوري وتأثيره على الواقع السياسي الداخلي وتركيبة السلطة التي يرعاها ويديرها حالياً، فتجاهل كلياً الإخفاق المريع والفشل الكامل الذي مني به الفريق الاكثري الذي يدير الحكومة الحالية في كل الملفات المعيشية والاقتصادية والامنية والسياسية على حدّ سواء، محاولاً إرضاء حليفه المتمرد ميشال عون كالعادة ومقللاً من أهمية الخلاف معه ومكابراً كعادته وكأنه غير مسؤول عن الواقع المزري الذي وصلت اليه البلاد جرّاء تفاهمه مع الرئيس بشار الاسد على قلب الواقع السياسي بقوة سلاحه الترهيبية، وركز معظم اطلالته على القوة التسليحية للحزب، لعله في ذلك يخيف الداخل السياسي وخصومه على وجه الخصوص أكثر من اسرائيل، في حين تجاهل ان السلاح وكثرته لا يمكن ان يشكل في كل الأوقات ضمانة قوية وكافية لاستقوائه وتمترسه في موقعه المحصن، خصوصاً اذا تمّ توجيهه الى الداخل وأبناء البلد الواحد.
بعدما ثبت فشل هذه النظرية مع تساقط الرموز الديكتاتورية في أكثر من دولة مجاورة بالرغم من حيازة هؤلاء سلاحاً أكثر وأقوى وجيوشاً جرارة وأموالاً ضخمة وبطشاً لم ينفع في تثبيت سلطتهم ومواقعهم.