اهدى السيد حسن نصرالله في خطابه الاخير قوى 14 آذار حجة اضافية لمغادرة طاولة الحوار والتسليم بمنطق الدكتور سمير جعجع حيال عقم هذه الملهاة، في الجانب الاساسي المتصل بالاستراتيجية الدفاعية. ومع ان مقاطعة الحوار تكتسب خطورة لجهة الشكل الذي يوحي بشل الآلية النظرية الوحيدة التي تجمع راهنا القوى الاساسية في البلاد، فان خطاب زعيم "حزب الله" اعاد بقوة تظهير عقم الحوار في ظل نقطتين على الاقل تناولهما في كلمته.
النقطة الاولى تتصل بالتلازم بين النبرة التخوينية للخصوم الداخليين وتحذير اسرائيل من مفاجأة كبيرة ان هي اقدمت على حرب جديدة على لبنان. وهو تلازم لا ينفك "حزب الله" يتوسله منذ عام 2006 لتبرير واقع الاستعداد لحرب جديدة في معزل عن اي تنسيق او ارتباط مع الدولة، بذريعة ان للمقاومة اسلوبها وواقعها وللدولة آلياتها واصولها، وما دام شعار "الشعب والجيش والمقاومة" مشرعا، فان ذلك يسقط اي الزام ولو بالحد الادنى المعنوي واللفظي للحزب في تنسيق عملاني او سياسي تحسبا لعدوان اسرائيلي جديد. وتبعا لذلك، يغدو كلام النائب محمد رعد السابق لخطاب السيد نصرالله عن عدم الحاجة الى استراتيجية دفاعية الان الخلاصة الحاسمة التي لا تحتاج الى تفسير او اجتهاد، ويغدو تاليا تأهب 14 آذار لمغادرة طاولة الحوار النتيجة المنطقية البديهية لهذه الخلاصة. اما الاسوأ فيصيب صاحب الرعاية الحوارية، اي رئيس الجمهورية الذي لن يملك ما يجيب به الفريق السائل عن جدوى استمرار الحوار.
اما النقطة الاخرى فتتعلق بكلام السيد نصرالله عن الجيش. ذلك ان وصف الجيش بانه "قوى امن داخلي بلباس جيش" والتخوف عليه من اي عملية اسرائيلية او حادث داخلي كبير كان ليغدو توصيفا واقعيا لو لم يكن مطلقه السيد نصرالله نفسه. ولكن نبرة هذا التوصيف على لسان زعيم "حزب الله" عكست ما يشبه الاشفاق على الجيش من جهة، والتذرع بضعف قدراته لتبرير العامل الابعد وهو التسليح الايراني للمؤسسة العسكرية.
وتبعا لذلك ايضا يصح التساؤل عن جدوى اي حوار ما دام "حزب الله" الذي يستشعر في نفسه فائضا على فائض القوة، لن يسمح تحت وطأة اي ظرف للجيش بان يكون "شريكه" الحقيقي؟ ثم اي كلام عن استراتيجية دفاعية وواقع الجيش في نظر الحزب هو اقرب الى وظيفة الشرطة؟
اما الخطورة الاخرى في الافصاح عن هذا المفهوم فتتجاوز ملف الحوار كلا، لتتحدى سائر الافرقاء السياسيين، ومفادها انه كلما امعنت التوترات الداخلية في اشغال الجيش واستنزافه، كلما تحول الكلام عن الاستراتيجية ووحدانية السلاح الشرعي فائضا آخر من اضغاث احلام. وكل حوار وانتم بخير.