#dfp #adsense

الخلية البديلة لإدارة الأزمة

حجم الخط

من يقرأ ما قاله أمين المراسم الليبي في عهد معمر القذافي، نوري المسماري في حواره مع «الحياة» على 6 حلقات، عن فظاعات الديكتاتور وجنونه، يستطع أن يفهم المصير الذي آل إليه، والطريقة التي قتل فيها. يستطيع المرء أن يفهم مدى الحقد الذي تولده النفس المريضة. هو رد فعل شعب عومل باحتقار ووحشية لا مثيل لهما، وبقهر يصعب تصوره، هذا فضلاً عن تلك الإهانات والارتكابات ضد دول وشعوب أخرى وقادتها، وهي ارتكابات تشرح أسباب انفكاك مقربين من قلب النظام عن رأسه، بمن فيهم من كانوا يُعتبرون أصدقاء خلّصاً، ويُنظر إليهم على أنهم ظل القذافي، ومن كاتمي أسراره.

تلك النفس المريضة هي نفسها التي جعلت القذافي يقول، مستغرباً، للثوار حين أمسكوا به: «شينو فيه؟» في إنكار كامل لما قام به على مدى 4 عقود ولما يحصل معه، حتى اللحظة الأخيرة قبل مماته.

من يقرأ ويسمع ويشاهد على شاشات التلفزة الفظاعات التي ترتكبها قوات النظام في سورية، والمجازر المتنقلة، التي حصدت الآلاف، في المناطق كافة، لا يستغرب انشقاق صديق الرئيس بشار الأسد العميد مناف طلاس (وقبله شقيقه ووالده)، الذي كان نديمه ورفيقه وواحداً من كاتمي أسراره، وكذلك السفير نواف الفارس، وبعض من كبار الضباط الذين غادروا الى تركيا، فيما ينتظر كثيرون التوقيت المناسب ليحذوا حذوهم، مثلما فعل عبدالرحمن شلقم وعبدالسلام جلود وعبد السلام التريكي وعبدالفتاح يونس وغيرهم في ليبيا.

ما ترتكبه قوات النظام في سورية من فظاعات تشمل الذبح والتمثيل بجثث الناس والإبادة والحالات الهائلة لاغتصابات النسوة، التي سيشكل انكشاف أعدادها عند نهاية الأزمة السورية سابقة توازي هول المجازر وأكثر، لا سيما في حمص، كافٍ لتفسير ظهور مرافق لإحدى شخصيات الحلقة الضيقة من أركان النظام ينفذ التفجير الذي وقع في مبنى مجلس الأمن القومي في دمشق ليودي بحياة عدد من أعضاء خلية إدارة الأزمة التي تدير عملية الدفاع الدموي عن النظام ورأسه.

من نافل القول إن سورية تختلف عن ليبيا، في الجغرافيا السياسية وفي الأهمية الاستراتيجية وفي نوع فسيفساء المجتمع السوري والتاريخ الحديث والقديم وفي تركيبة كل من النظامين… وفي موقع كل منهما من المواجهة مع إسرائيل… الخ، لكن هذا الاختلاف لا يلغي أوجه الشبه في استبداد المجموعة الحاكمة وعذابات الشعب، وفي النتيجة النهائية التي ستؤول إليها المواجهة الدائرة بين النظام وبين تشكيلات المعارضة المختلفة، وهي أن هذا النظام لن يتمكن من الاستمرار مهما كانت الظروف.

وإذا كان من السذاجة عدم الاعتراف باختلاف سورية عن ليبيا، وتونس ومصر واليمن، فإن من السخافة عدم الإقرار بأن من أوجه الشبه، أنه كلما أحرز الثوار في بلاد الشام تقدماً، ازداد إصرار النظام فيها على البطش وارتكاب المجازر واستخدام المزيد من الأسلحة الفتاكة، تماماً كما حصل في ليبيا.

بل إن في أوجه الاختلاف، ما يؤكد النتيجة المشابهة التي ستنتهي إليها المواجهة بين النظام والمعارضة. في ليبيا أدت وحدة الحد الأدنى في موقف المجتمع الدولي الى المساعدة في تعجيل نهاية القذافي، بينما أدى عجز المجتمع الدولي الى تأجيل نهاية النظام وتنحي رأسه في سورية. وفي وجه الاختلاف هذا ما يميز الشعب السوري عن غيره. فعلى تواضع، وأحياناً انعدام المساعدة الدولية في بعض المجالات للثوار أظهر الشعب السوري تصميماً منقطع النظير، وعناداً لا مثيل له في تاريخ الثورات في العالم، إذ لم تسجل الذاكرة ولا كتب التاريخ إصراراً من شرائح الشعب غير المسلحة على النزول الى الشارع يومياً على مدى أكثر من 16 شهراً من دون انقطاع، للتظاهر ضد النظام على رغم القتل اليومي من الشبيحة وقوات الأمن.

وإذا كان من أوجه الشبه بين الأنظمة المستبدة، أنها تنهار فجأة وفي شكل دراماتيكي، كما حصل في ليبيا إذا استحال الانتقال السلمي، فإن من أوجه الاختلاف بين سورية وليبيا، أن الأخيرة شهدت تراجعاً لدول عن تعاطفها مع نظام القذافي (الجزائر) أمام الإصرار الدولي على رحيله، فيما تشهد سورية تصميماً روسياً وإيرانياً ومن «حزب الله»، كما أظهر خطاب أمينه العام السيد حسن نصرالله أول من أمس، على التمسك بدعم النظام حتى اللحظة الأخيرة، مقابل التردد والعجز الدوليين في مناصرة المعارضة بالإجراءات العملية بدل الاكتفاء بالموقف السياسي. فالصراع على سورية قد يذهب بالأزمة، بعد الضربة التي وجهها المعارضون للحلقة الضيقة في النظام في خلية إدارة الأزمة، نحو «الخطة ب»، التي تقضي بدعم روسي وإيراني لانكفاء رأس النظام وقواته نحو المناطق العلوية، بين الساحل والجبل للتحصن فيها. فالوجود والتأثير المباشران لموسكو وطهران في سورية يمكنهما من الحلول مكان خلية إدارة الأزمة التي ضربتها العبوة الناسفة، لإطالة عمر النظام، ريثما يقبل الغرب بالتفاوض معهما على مطالبهما منه، في سورية وغيرها. وقد يتعين عليهما العمل على تأخير سقوط دمشق قبل المباشرة بـ «الخطة ب».

في الانتظار قد يقتضي الأمر تصرف حلفاء النظام مثله على قاعدة: «شينو فيه».

المصدر:
الحياة

خبر عاجل