قد يكون لموقف قوى 14 آذار برفضها المشاركة في جلسة الحوار المقبلة صلة مباشرة إن برفض الحكومة تسليم الداتا وإمعانها في تغطية الاغتيالات، أو بإعلان رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد بالفم الملآن: «لا نريد الآن استراتيجية وطنية للدفاع، فنحن ما زلنا في مرحلة التحرير، وأمامنا الوقت الكثير للحديث عن الاستراتيجية الدفاعية بعد التحرير(…)»، ولكن يبقى لتوقيت الخطوة دلالاتها ومؤشراتها…
فاللحظة السياسية التي دخلتها البلاد بعد التحوّل النوعي في الأزمة السورية والتي تؤشّر إلى قرب نهاية النظام السوري تجاوزت مرحلة شراء الوقت في انتظار ما يمكن أن تؤول إليه تطوّرات هذه الأزمة. فالنظام السوري انتهى عمليّاً وانتقل البحث لدى مختلف الدوائر العربية والإقليمية والدولية إلى مرحلة ما بعد سقوط هذا النظام.
وهذا البحث لا يتوقّف على دوائر القرار الخارجية، بل يشمل أيضاً اللبنانيين وفي طليعتهم 14 آذار نظراً لانعكاسه على الوضع اللبناني وموازين القوى الداخلية، خصوصا أنّ سوريا ولبنان والمنطقة مرشّحة للدخول في مرحلة سياسية جديدة، وهذه المرحلة يفترض مواكبتها بوسائل سياسية جديدة تختلف عن المقاربات القديمة التي ستنتهي مع انهيار النظام السوري.
وفي هذا السياق، هناك مسؤولية وطنية كبرى ملقاة على 14 آذار لجهة تقديم مبادرة إنقاذية بمعزل عن تجاوب الطرف الآخر أو عدمه، لأنّ دخول البلاد في مرحلة جديدة يحتّم على هذه القوى مواكبتها منذ اللحظة الأولى والاستفادة من "المومنتوم" الذي سيحدثه سقوط النظام في محاولة "للمّ البلد" والعبور إلى الدولة.
فقوى 14 آذار لم تنجح بتثبيت السيادة بعد الانسحاب السوري من لبنان بسبب وجود سلاح "حزب الله" ومواصلة سوريا تدخّلاتها بالشؤون اللبنانية، فضلاً عن إعلان القوى المرتبطة بها الانتفاضة المضادّة على انتفاضة الاستقلال، الأمر الذي أبقى الدولة معلقة والسيادة منتقصة والاستقلال غير ناجز، ولكن شتّان ما بين انسحاب الجيش السوري وسقوط النظام البعثي، لأنّ الحدث الأولى أبقى على عصب المحور الممانع، فيما الحدث الثاني سيشكّل تحولاً مفصلياً على مستوى كلّ المنطقة ومن ضمنها لبنان. ومن هنا، فإنّ ما بعد سقوط النظام لن يكون كما قبله، ولذلك فإنّ 14 آذار مطالبة بتحديد موقفها منذ هذه اللحظة، هذا الموقف الذي يفترض أن يُجانب حدّين: حدّ النشوة والتصرّف من منطلق أنّ ثمّة فريقاً منتصراً وآخر مهزوماً، وحدّ الدعوة إلى حكومة وحدة وطنية وتكرار شعار "كلّنا تحت سما لبنان". وهذا ليس انتقاداً لتيّار "المستقبل" على تعاطيه الإيجابي مع الطرف الآخر، إنّما لأنّ التجربة أثبتت أنّ فريق 8 لا يمكن تسليفه أو التعاطي معه وكأنّه ضنين على مصلحة البلد.
فالمطلوب من 14 آذار عدم تفويت هذه الفرصة التاريخية أولاً ثمّ دعوتها الطرف الآخر وفقا لأدبياتها للانخراط في مشروع الدولة بشروط الدولة التي وحدها تحمي الجميع وتظلّلهم، خصوصاً أنّ مشروعها ليس مشروعاً فئوياً، إنّما مشروع وطني وغايته الانضواء تحت راية "لبنان أوّلاً" و"الدولة أولاً". وقد بات القاصي والداني يدركان أنّ أيّ مشروع استقوائي سيبقي الدولة معلّقة إلى ما شاء الله، لكن هذا لا يعني التنازل عن البديهيات الوطنية. فلا حكومات وحدة قبل تسليم السلاح، ولا حوار وطني قبل وضع أجندة واضحة المعالم لتسليمه.
وفي حال رفض "حزب الله" المبادرة التي تدعوه إلى الالتزام بسقف اتفاق الطائف عليه أن يتحمّل تبعات موقفه. لكنّ الأساس يبقى في أنّ التنازل من الآن فصاعداً تحت أيّ عنوان لم يعُد مسموحاً، وقد حان الوقت لطيّ صفحة العقود الأربعة التي جعلت لبنان مخطوفاً من النظام السوري، وفتح صفحة السلام اللبناني الذي يعيد هذا البلد إلى طبيعته ودوره كنموذج للشراكة المسيحية-الإسلامية.
وفي العودة إلى الحوار، لم تكتفِ 14 في ربط عدم مشاركتها بالداتا وموقف "حزب الله"، إنّما ذهبت في اتّجاه الدعوة إلى "التقيّد بالدستور اللبناني الذي يؤكّد مرجعية الدولة وحصريتها بامتلاك السلاح والدفاع عن لبنان وبسط سلطتها على كامل أراضيها"، وبالتالي ما الذي تبدّل لتربط مشاركتها بمرجعية الدولة سوى الحدث السوري الذي سيعيد خلط الأوراق رأسا على عقب؟ وما ينطبق على 14، سينسحب على القوى الوسطية التي ستبدأ تباعاً إعادة تموضعها السياسي، لكنّ المؤسف أنّ الحزب لم يتّعظ من كل هذه التطورات وكان لا يزال يتصرّف بمنطق استكباري دلّ عليه الموقف الأخير للنائب رعد الذي رمى من خلال كلامه إلى إقفال النقاش في موضوع السلاح على قاعدة أنّ التحرير من اختصاص الحزب وحده، فيما الاستراتيجية الدفاعية قد تكون مشتركة مع الدولة، وبالتالي إذا كان البند المتبقي نظرياً أمام هيئة الحوار هو هذه الاستراتيجية بالذات، فجاء تصريح رعد لينسفها من أساسها.
كما أنّه تقصّد أيضاً إحراج رئيس الجمهورية لدفعه إلى التراجع عن رؤيته للاستراتيجية الدفاعية التي كان سيقدّمها في جلسة 24 الجاري والتي تستند إلى أولوية الجيش اللبناني في الدفاع عن السيادة الوطنية، فيما يقتصر دور المقاومة موقّتاً على مؤازرة الجيش في حال طلب ذلك. فموقف سليمان بهذا المعنى كان سيشكّل إحراجاً للحزب، ليس فقط لجهة ترجيحه كفّة 14 آذار ونظرتها، إنّما أيضا لأنّ موقف رئيس البلاد بالنسبة إلى دول العالم يختلف عن موقف القوى السياسية من زاوية رمزيته وتأثيره.
وقد يشتمّ من وراء الحديث مجدّداً عن التحرير أنّ ثمّة نيّةً لدى الحزب في القيام بمغامرة عسكرية ضدّ إسرائيل تحت عنوان الفرصة الأخيرة لإنقاذ النظام السوري. ولكن كل ذلك أصبح عمليّاً من الماضي، لأنّ التطورات السورية نقلت الصورة والاهتمام إلى مكان آخر، إنّما لا بدّ من الإقرار أنّ موقف 14 آذار من رفض المشاركة في الحوار أعاد ثقة جمهورها بها، إلّا أنّ هذا الموقف يجب أن يستكمل بمبادرة دولية إنقاذية وعودة سريعة للرئيس سعد الحريري ومشهدية مسيحية-إسلامية في ساحة الحرية تشكل تجديداً لانتفاضة الاستقلال ومناسبة سياسية-شعبية لدعوة الطرف الآخر إلى ملاقاتها في إرساء السلام اللبناني.
