عشرات آلاف السوريين لجأوا إلى لبنان في غضون يومين، سيضافون إلى من سبقهم في الهرب من آلة القتل البعثي ـ الأسدي إلى شمال لبنان وبقاعه. وإزاء هذا الحدث والمشهد لا يسعنا التفلت من الذاكرة، من مشهد يشابهه في الماضي القريب، حين اضطر عشرات الألوف من اللبنانيين للهرب إلى سوريا أثناء حرب تموز. حينها فتح السوريون بيوتهم ومساجدهم وكنائسهم ومدارسهم وقاعات جمعياتهم ليستقبلوا النازحين، وتطوع مئات الشبان والشابات للعمل على إغاثتهم وإطعامهم وإكسائهم ومداواتهم وإيوائهم.. بل وحتى توفير وسائل الترفيه والتسلية لهم.
وعلاوة على مبدأ "رد الجميل"، وواجب الجيرة والعِشرة، وبداهة التراحم مع ذوي القربى والمصاهرة، بل وبالإضافة إلى الواجب الإنساني والالتزام الأخلاقي والقانوني وموجبات الشرائع وحقوق الإنسان.. ثمة أيضاً ضرورة "سياسية" تحتم على اللبنانيين وحكومتهم المسارعة إلى احتضان اللاجئين السوريين ورعايتهم. ونقصد بـ"الضرورة السياسية"، بداهة المصلحة اللبنانية التي تقوم على تجاوز "اللاعلاقة" التي أرساها النظام الأسدي ـ البعثي بين لبنان وسوريا. وثبّت فيها جروحاً بالغة وإساءات عميقة. إذ يجب تجاوز هذا الماضي المرير نحو مستقبل يأمله الشعبان بما يحقق طموحات اللبنانيين بالطمأنينة من الجار الكبير، ويحقق مصلحة السوريين بـ"تطبيع" صلتهم مع لبنان. إنها فرصة سانحة في لحظة تاريخية نشهد فيها تهاوي النظام، من أجل استئناف ما انقطع في التاريخ والجغرافيا، كما من أجل ابتكار صلات جديدة ومتينة بين سوريا الحرة ولبنان الديموقراطي.
لكن سوء حظنا، كما سوء حظ هؤلاء اللاجئين أننا مبتلون بحكومة "النأي بالنفس" عن الشعب السوري، مع ما يترتب على ذلك من تنكر مشين للواجب والمسؤولية. والأفدح من هذا الابتلاء بهكذا سياسة رسمية فخرية، هو "عار" الانحياز للنظام السوري، الذي أعلنه حزب الله بفظاظة استثنائية، متعمداً إهانة الشعب السوري واستفزازه، مدشناً بذلك عداوة مقيتة وتحديداً مع أولئك الشبان والصبايا الذين بذلوا وجهدوا ذات تموز 2006، كي يكرموا ويرعوا مواطني أهل الجنوب بالذات، الذين قاسموهم الرغيف وشربة الماء وغرف المبيت وأموالهم القليلة.
بأي كمين خبيث أوقع فيه "حزب الله" أهل الجنوب وأهل الضاحية الجنوبية، ليكونوا هكذا غير قادرين على ردّ الجميل بجميل مماثل؟ بأي منزلق حشر فيه "حزب الله" طائفة بكاملها ليعزلها ويورطها بعداوة لكل ما يجاورها من شعوب، ويجبرها حتى على التنكّر لقيمها الدينية في مطلع رمضان تحديداً؟ بأي مأزق سياسي وأخلاقي أسقط فيه "حزب الله" حكومة لبنان، لتكون هكذا بليدة وسيئة السلوك ومنعدمة الرؤية؟
المعذرة أيها الشعب السوري.. المعذرة. وعزاؤنا أن أهل الشمال والبقاع سيعوّضون بالتأكيد عن هذه الإساءات بحسن الضيافة وصدق العاطفة.
