حكومةٌ غارقةٌ بين المياومين والمعلمين وموظفي القطاع العام والعدالة التي يتجاذب قراراتها الشارع، وجيشٌ يتذكر البعض أنه يجب أن يدافع عنه اليوم وهو كان قد تركه يدافع عن نفسه وعن لبنان أيضاً حتى الاستتهاد أو الاعتقال في سجون المزّة…
الحكومة، وفي خضمّ الأزمات كلها، تراها قليلة الحضور والتواصل مع الرأي العام، وإذا حضرت يتهيّأ لك أن البلاد تعيش فترة استقرارٍ وازدهارٍ لا مثيل لها.
مياومون تتأرجح أوضاعهم بين التثبيت في الملاك أو تخريب الملك العام، معلمون تضيق بهم سلسلة الرواتب والأجور فلا تفتح لهم مساحة أكبر من حدود الامتناع عن التصحيح، وهذا ما يجعل رئيس الحكومة أكثر هدوءاً. سيّاح هجروا هواء الجبل اللبناني الذي بات تنشّقه يشكل خطراً على سلامتهم، فأعمال السرقة والخطف وقطع الطرقات وإقفال المطار وتأثير الأزمة السورية في لبنان فرضت عليهم تغيير وجهتهم السياحية، أما المطاعم والفنادق، فلا يؤمن استمراريتها سوى بعض ما تبقى من مالٍ في جيوب اللبنانيين.
عدالة تتأرجح قراراتها بين إخلاء السبيل تارة وإعادة التوقيف طوراً، فقد اعتدنا على انتقاد أحكام المحكمة العسكرية أقلّه منذ أحداث 7 آب 2001 واعتقال المئات من المتظاهرين ضد النظام السوري وأتباعه في لبنان، إلى توقيف بعض الضباط لمدة 3 أشهر والعناصر لمدة 9 أشهر جرّاء إطلاقهم النار على المتظاهرين الذين تظاهروا بحجة انقطاع التيار الكهربائي في منطقة الضاحية ثم تجاوزوا حواجز الجيش ودخلوا إلى أحياء عين الرمانة !
إلى الحكم الذي صدر بحق قاتل النقيب الطيار من الجيش اللبناني سامر حنا بسجن القاتل مدة 9 أشهر، إلى الحكم بحق العميد فايز كرم وتصنيف فعله من قبيل المتصل بالعدو بدلاً من اعتبار فعله من قبيل العمالة، وتخفيض العقوبة تبعاً لهذا التوصيف الجرمي إلى أقلّ من سنتين بعد صدور قانون تخفيض السنة السجنية، في حين أن آخرين قضي عليهم بالسجن لمدة عشرين أو ثلاثين سنة. ومؤخراً إطلاق سراح الضباط المتهمين بمسؤوليتهم عن مقتل الشيخين عبد الواحد ومرعي ثم إعادة توقيفهم.
أما الطامة الكبرى فهي، وبعد موافقة مجلس الوزراء على قرار التوسع في التحقيق، وتكليف المدعي العام التمييزي الإشراف على سير التحقيقات التي تجريها مفوضية الحكومة لدى المحكمة العسكرية، والطلب إلى وزير العدل إعداد دراسة حول إمكانية إحالة الملف إلى المجلس العدلي، ليأتي ذلك الفريق الذي لم يعترض على هذا الأمر في مجلس الوزراء وهو ممثّل فيها بعشرة وزراء، فيقوم بقطع الطرق وإحراق الدواليب بحجة الدفاع عن الجيش ! فهل مَن يصدّق ؟
نعم، في الأمس خسرت هذه القوى انتخابات فرعية فلم تستوعب الصدمة بعد، فراحت تختلق الذرائع والمواجهات العبثية وبَثّ الأضاليل، وها هي اليوم تتظاهر دفاعاً عن الجيش بعدما لامت بالأمس شهيده النقيب سامر حنا، كونه كان يحلّق في الفضاء اللبناني من دون استئذان جماعة السلاح الذين وضعوا الخط الأحمر على الجيش منعاً لدخوله مخيم نهر البارد، وطالبوا بسجن الضباط والعناصر الذين تصدوا لمحاولة اقتحام المتظاهرين لعين الرمانة من دون مبرر، كونهم كانوا قد تظاهروا احتجاجاً على انقطاع التيار وهم أيضاً من عملوا على تأخير انتشار الجيش على الحدود الشمالية الشرقية مع سوريا.
كلّ هذا يُظهر التخبّط الذي تشهده قوى الحكم أو القوى الممثلة للنظام الديكتاتوري القابع في سوريا الذي ينام ويستفيق على دماء ضحاياه، لا سيما الأطفال منهم، فيما يَعتبر أن الثوار الذين يقاتلون لنيل حريتهم وإحلال الديموقراطية بدلاً من حكم الطغاة هم إرهاب. هذا كله وقد بدأ القتال العنيف في أحياء دمشق، وطال التفجير الأخير كبار القادة الأمنيين المحيطين بالأسد وقد قتلوا على قاعدة "كما كنتم تَقتلون اليوم تُقتلون"، وهذا ما يؤكد أن الثوار سيصلون قريباً إلى قصر المهاجرين مهما تعَنّتَت روسيا والصين في استعمال الفيتو على أي قرار يصدر بموجب الفصل السابع، وقد شهدنا تخلّي كبار الضباط والسفراء وبعض أصحاب المناصب السياسية عن الأسد، وبين هؤلاء السفراء من ينتمي إلى العشيرة الأكثر دعماً للأسد.
هكذا بدأت تثمر ثورة الشعب السوري لنيل الحرية، ألم تسقط طائرات الأسد على أيدي الثوار ؟ ألم يبدأ بعض الطيارين بالهرب إلى دول مجاورة طلباً للجوء السياسي ؟ ألم يبدأ الثوار بالتصدي لدبابات الأسد بعدما امتلكوا أسلحة مضادة لها ؟ لذلك، قلنا في السابق إن هذه الثورة لا تحميها إلا سواعد الثوار وإيمان الشعوب بقضيتهم، لأنها قضية حق سينتصر فيها الحق على الباطل والديموقراطية على الطغاة والحياة على الموت.
هكذا تتخبط الأجسام الصغيرة في لبنان الذي شكّل النظام السوري سبباً لاستمرار وجودها، وهي تستمر في محاولة تعريض لبنان للخطر، لا بل إنها مستعدة للانتحار في سبيل النظام السوري الآيل قريباً إلى السقوط.
أما الأجسام الكبيرة المتحالفة مع هذا النظام ومع ديموقراطية ولاية الفقيه وليبرالية أحمدي نجاد، فهي تعدّ العدة لملاقاة المرحلة المقبلة من خلال توفير كل عناصر القوة لبَسط نفوذها على كامل مقدرات الحكم في لبنان.
هذا كله والدولة اللبنانية تكتفي بلعب دور الوسيط في كل الأزمات المستجدة، آملة في إشراكها بأي مشروع حلّ، وهي تبدو أنها فقدت هيبتها وقدرتها على ضبط الساحة الداخلية المتأرجحة يميناً ويساراً، لكن علينا تذكيرها أن سقوط النظام في سوريا لا يعني بالضرورة سقوط الدولة في لبنان، إذ لها أن تثبت وجودها وتفرض هيبتها لأنّ لبنان يستحق أن تكون له دولة، دولة بكلّ ما للكلمة من معنى، لا سيما عندما ينكفىء الأتباع ويشمخ الأحرار.