لم يصدّق أحد تصريح السفير الروسي في فرنسا ألكسندر أورلوف عن استعداد رأس النظام السوري للتنحي بطريقة حضارية، لأن هذا النظام رأسه «عائلة»، حكمت بوحشية وأعملت القتل في الشعب السوري على مدى خمسين عاماً بالخطف والقتل والتعذيب والإخفاء حتى أيقنت أنّ هذا الشعب لن تقوم له قائمة ولن يجرؤ على رفع رأسه وقول «لا»، وأنه شعب يورّث كما تورّث الخرقُ والمتاع والأموال والأراضي، حتى عندما شاهدت عائلة الأسد انتفاضات الشعوب العربية ظلت تظن وهماً أنها «غير» وأنها باقية إلى الأبد، وبدون أدنى شكّ، هذا الشعار الأبدي هو الذي ساهم في تحوّل الوهم إلى حقيقة وانفصال عن الواقع والظنّ بألوهية هذا الحكم الأمر الذي يؤكّد أنّ آل الأسد يعيشون في القرون الوسطى لا في القرن العشرين!!
ببساطة شديدة لم يصدّق أحد رواية السفير الروسي في باريس حول موافقة الرئيس السوري بشار الأسد على الرحيل، التي سارع وزير إعلام النظام عمران الزعبي وتلفزيون النظام إلى وصف هذه التصريح بأنّه «عارٍ عن الصحة تماما»، وحتى إن كان الكلام صحيحاً فالأمر ليس أكثر من مناورة من لحظة ضعف تورّط فيها رأس النظام وأجبرته العائلة على التراجع عنها، فهو ليس أكثر من ممثلٍ رسمي للعائلة في الحكم وهي ليست في وارد التفكير في أي انسحاب أو تراجع فهي تعيش لحظة «يا قاتل يا مقتول»!! وإن كانت أوهن بكثير مما تعتقد في نفسها وليس هناك أمثولة لها أكبر من القذافي وعائلته الذي فرّ في الصحراء مالئاً قافلته بأموال وذهب الشعب الليبي، ومع هذا لم يستطع كلّ المرتزقة الذين جنّدهم وكل الذهب الذي هرب به لأن ينقذه من لحظة تقاذفته فيها أيدي الشعب الليبي ليحظى بنهاية «حضارية» تليق بمجرم جبّار!!
«التنحي بطريقة حضارية» أمر لا يليق أبداً بدماء شهداء الشعب السوري مع تأملنا ملياً بمصطلح «طريقة حضارية» وما إذا كانت تعني الخروج من دون عقاب على كلّ الجرائم المرتكبة بالمال والعيال للتمتع بمنفى مشمس بعدما لم يتردد هذا النظام في قتل الأطفال الخدّج لتعذيب ذويهم، أو تعذيب رضّع دون الثلاثة أشهر أمام أمهاتهم وآبائهم، فهل يكون جزاء كلّ هذه الوحشية «نهاية حضاريّة»؟!
من الصعب على العالم العربي الذي يُتابع مأساة الشعب السوري ويشعر بالعجز والخجل والعار على حال الصمت التي لم يتجاوزها العرب إلا بالكلام حفظاً لماء الوجه المراق ـ إن كان في الوجه العربي بعدُ ماء أو دماء حتى ـ، من الصعب على هؤلاء أن يتقبلوا خروجاً آمناً للمجرمين، على طريقة علي عبد الله صالح الذي اقتضت الظروف القبليّة والانقسام اليمني القبلي بين مؤيد ومعارض له، ولجغرافية اليمن الاستراتيجية وثروته النفطيّة وخصوصيّة «باب المندب» التي توازي أهمية «مضيق هرمز» والشروط هذه ليست متوفرة في بشّار الأسد ونظامه.
لم تعد تفصلنا عن لحظة الصفر ومشهد النهاية إلا أيام قليلة وأقل من ذلك لدراماتيكية الأحداث المتلاحقة، وما هو أهمّ من ذلك هو هذه «العلقة» التي تعيشها العصابات الداعمة لشبيحة النظام، من جيش مقتدى الصدر، وجحافل حزب الله، والحرس الثوري الإيراني، هؤلاء سيشكلون لحظة تأديب تاريخيّة لإيران حتى لا تتدخل في شؤون المنطقة العربية، ولا نستبعد أن يُعلّق الشعب السوري المشانق للائحة سياسيين لبنانيين ليسوا أكثر من خونة وطفيليات بثّها النظام السوري وفرّخها في منابت الدسائس والنفاق لزعزعة استقرار لبنان وسلبه حريته، ثمّة لحظة آتية سيكون فيها عبرة لعقود للذين يظنّون أن بإمكانهم تغيير هويّة الشعوب وشراء فقرها بالمال وأرواحها بالتعويضات، ثمّة لحظة آتية ستفضح الماضي كلّه ويا ويل هؤلاء من الشعبين اللبناني والسوري، ويا ويل النظام والعائلة «المنهارة» من نهاية ستكون أسوأ بكثير من نهاية معمّر القذافي وعائلته!!
