احد اهم المعالم التي ينبغي على زائر مدينة برشلونة الاسبانية ان يقصده واقع على شاطئ البحر الابيض المتوسط، هو مؤسسة الرسام والنحات خوان ميرو التي تقع على مرتفع فوق المدينة. وهي عبارة عن متحف يضم اهم اعمال ميرو الذائعة الصيت عالميا توزعت في صالات مضيئة بنور الشمس الساطعة ٢٥٠ يوما في السنة في مبنى حديث الهندسة ابيض اللون. كم كانت دهشتي حينما وصلت الى متحف ميرو لأجد لافتة ضخمة على مدخل المعرض لاعمال فنانة لبنانية – فلسطينية داخل المتحف. اسم الفنانة منى حاطوم وهي نحاتة متعددة الاعمال الفنية وصولا الى الرسم والتصوير الفوتوغرافي والتركيب والمزاوجة بين المادة الجامدة والصورة المتحركة.
منى حاطوم نحاتة عربية يستقبل اعمالها احد اكبر المتاحف العالمية للفن الحديث، وهو قبلة لملايين الزائرين سنويا. ولكن اهم ما لفتني انا الذي يبحث عن السياسي حتى في ما هو غير سياسي ان اعمال حاطوم ذهبت في السياسي والجيوسياسي اكثر مما يمكن المرء ان يتوقع. فعند مدخل المتحف "متراس" لمنى رفع في" الباثيو" وقد نبتت فيه حشائش الزمن الخضراء. ثم مجسم فولاذي مركب من قطع اخترقتها فجوات بالعشرات وتشير الى الرصاص والقذائف كتلك التي نجدها في تمثال الشهداء في بيروت ! ولا امر مرور الكرام امام مكعب مصنوع من اسلاك شائكة تماماً كتلك المستخدمة امام المقرات الامنية في لبنان وغير لبنان من دول المشرق العربي التي شهدت احداثا امنية. في اختصار لاحقتني ذكريات الحرب اللبنانية في كل زاوية من زوايا معرض منى حاطوم في متحف خوان ميرو. فمن جهة غمرتني مشاعر الاعتزاز بفنانة عربية عالمية الحضور أقر بأنني لم اتعرف الى اعمالها قبلا، ومن ناحية رأيت كم يحمل الفنان العربي من آلام يأتي بها من وطنه. في حالة منى حاطوم لبنان وفلسطين، وربما اليوم سوريا التي تعيش حربا لا تقل همجية عن تلك التي واجهها الفلسطينيون مع الاسرائيليين منذ ١٩٤٨، ولا تقل ايلاما عن تلك التي عاشها اللبنانيون تارة كدمى على رقعة شطرنج عربية ودولية وطورا كاهداف لاطماع جيران اقرب الى وحوش.
فكرت وانا اتجول في رحاب متحف خوان ميرو، ولا سيما في القسم حيث تعرض اعمال منى حاطوم العربية في ما كان يقوله العالم الفيزيائي المصري احمد زويل الحائز جائزة نوبل حينما جاء الى بيروت من ان عالمنا العربي ما يزال يحتاج الى ثورة حقيقية كتلك التي عاشتها حضارات اخرى فهو نائم. كان ذلك في مطلع العقد الفائت. اليوم نعيش ثورتنا العربية من المحيط الى الخليج، واعتقادي انها في بداياتها حيث ان ثورة لا تتوقف عند تغيير الانظمة بل انها تذهب الى ما هو ابعد واخطر : الى الثقافة. فنحن بحاجة الى ثورتنا الثقافية الكبرى. لان اسقاط اصنام طغاة بائدين كحافظ الاسد ومعمر القذافي يفترض ان يستكمل بإسقاط الاصنام التي تسكننا نحن العرب… والطريق طويلة جدا.