كتب أسعد بشارة في صحيفة "الجمهورية":
لم يكُن رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، عندما استدعى قادة الأجهزة الأمنية يوم السبت الماضي للبحث في الإفراج عن الداتا، يتصرّف بخلفية الساعي إلى إزالة العراقيل من أمام طاولة الحوار.
خطورة محاولة اغتيال النائب بطرس حرب، وقبله الدكتور سمير جعجع، المسبوقتين والمترافقتين بإقفال أعين الأجهزة الأمنية، بعد قرار من وزير الاتصالات في الخامس عشر من كانون الثاني حجب الداتا، دفعت رئيس الجمهورية إلى أخذ المبادرة لإطلاق سراح الداتا بعدما احتجزت في البداية على يد وزير مغلوب على أمره، لتنتقل مهمة الاحتجاز إلى هيئة قضائية، تكون لكلّ من أفرادها أسبابه في التماهي مع مَن يريدون حجب النظر عن الأجهزة الأمنية.
خطورة محاولتي اغتيال حرب وجعجع حدت برئيس الجمهورية، وهو كان القائد السابق للجيش في فترة الاغتيالات وفتح باب التعاون مع التحقيق الدولي، إلى محاولة إيجاد حلّ لأزمة تعطيل التحقيق في محاولة الاغتيال، لأنّ الاستمرار بهذا التعطيل سيرتّب مسؤولية سياسية وقانونية على السلطة التنفيذية أمام الرأي العام اللبناني والعربي والدولي.
وسواء كانت معطيات رئيس الجمهورية في شأن رغبة وزير الاتصالات (إيحاءً بعدم قدرته) على الإفراج عن الداتا صحيحة أم لا، فإنّ نتائج اجتماع السبت في بعبدا ستوضع تحت الاختبار السريع. فإمّا أن تتم تلبية حاجة القوى الأمنية للتوسّع في التحقيق في ملفّي حرب وجعجع، أو تذهب الأمور إلى تحدّ سافر لمسار التحقيق الذي يفترض أن يُستكمل بخطوات قضائية على شكل مذكّرة توقيف لأيّ مشتبه فيه.
وإذا كان السؤال مرتبطاً بأهمية الحصول على الداتا الكاملة بديهياً في كل من ملفّي محاولة اغتيال جعجع وحرب، فإنّ في المحاولة الأخيرة ما يستحقّ التوقّف، خصوصاً بالنسبة إلى التفاصيل الدقيقة ومسرح الجريمة، بسبب وجود النقيب المتقاعد في قوى الأمن سليم مغبغب (الذي يفترض تأمين حماية له كونه أحد الشهود الأساسيين).
تفاصيل المحاولة والأدلة الصلبة التي وجدت في مسرح الجريمة لا تحتمل النقاش، منها ما يتعلّق بالحقيبة التي تركها وراءه مَن كان يُعدّ الصواعق، وقد أدّى تفتيشها إلى العثور على ورقة تحوي رقم سيّارة محمود حايك. وعن هذه الحقيبة أخذت بصمات الجاني، وبالطبع سيُعرف هل طابقت القوى الأمنية هذه البصمات مع بصمات حايك، وهل بصمات الأخير موجودة لدى هذه الأجهزة.
صعود شريكي واضع الصواعق إلى الطابق السابع، هو الأكثر احتمالاً لمحاولتهما الفاشلة زرع "أنتين" على سطح البناية يساعد في تفجير العبوة عن بُعْد بعد وصله بها عبر شريط يتدلّى من أعلى إلى أسفل داخل غرفة المصعد. هذا يستتبع وجود نيّة بأن يكون مَن سيكبس زر تفجير العبوة على تواصل مع مراقب أمام المبنى يرصد دخول الهدف إلى المصعد ويعطي الإشارة المتّفق عليها للتنفيذ.
كاميرات المراقبة في المبنى موجودة، لكنّها لم تكن تعمل. وهذا المعطى، إضافة إلى طريقة تهريب المجموعة فور انكشافها، يعطي دليلاً واضحاً على الاحتراف. أمّا الكاميرات الأخرى التي رصدت دخول المجموعة وخروجها فيستلزم العمل عليها جهداً غير عادي.
إلى ذلك، تظهر طريقة سحب المجموعة أنّ الفريق الذي نفّذ الإخلاء كان على تواصل مع الثلاثي الذي دخل المبنى (وهذا بديهي)، طبعاً ليس عبر الحمام الزاجل بل عبر الخلوي أو اللاسلكي، ولكل من الاحتمالين خطورته في التنفيذ والانكشاف. من هنا يمكن فهم أهمية الداتا في تحليل الاتصالات التي سُجّلت في المنطقة قبل محاولة الاغتيال وبعدها، ومن هنا أيضاً يمكن فهم أهمية حجب الداتا لتعطيل التحقيق.
الرسم التشبيهي لرجل الصواعق حدّد ملامحه بنسبة تسمح بالتعرّف إليه في حال توقيفه. أمّا ما يتعلّق ببقية أفراد المجموعة فإنّ العمل جار لتحديد ملامحهم مع تسجيل صعوبة في ذلك كون واضع الصواعق كان الأكثر عرضة لتحديد الملامح، لأنّه دخل في مشاجرة مع النقيب مغبغب ومع ساكني المبنى قبل أن يتم إخلاؤه تاركاً وراءه البصمات والأدلة.
بناءً على مسار التحقيق وعلى استدعاء كادر "حزب الله" محمود حايك للاستماع إلى إفادته والتحقّق من الدليل الذي وجد في محفظة رجل الصواعق، وممّا إذا كان يملك معلومات عنه أو لا، فإنّ "حزب الله" سيكون أمام خيارين:
– الأوّل، وهو ما اعتمده الحزب على الأرجح بعد امتناع حايك عن تقديم إفادته، يقود إلى توقّع رفض نتائج التحقيق والذهاب إلى مقولة إنّ ما يجري هو استهداف للمقاومة. وهذا سيناريو يشبه بدايات التحقيق في اغتيال رفيق الحريري حين تمّ طلب الاستماع إلى إفادة عبد المجيد غملوش الذي اختفى بعدها. علماً أنّ فرع المعلومات كان قد طلب في قضية غملوش من قيادة الحزب مباشرة استجوابه، فيما اعتمد اليوم في محاولة اغتيال حرب أسلوب تبليغ المطلوب الاستماع إلى إفادته من دون أن يتّصل بأيّ مسؤول في الحزب.
– الثاني، قد يكون على شكل مفاجأة وإن مستبعدة، ويتمثل بتعاطي "حزب الله" مع التحقيق بطريقة طبيعية أيّ إرسال حايك ليدلي بإفادته، وعندها تترنح الشكوك التي بُنيت منذ قرار توقيف الداتا، مروراً بمحاولة اغتيال جعجع وصولاً إلى محاولة اغتيال حرب وربّما ليس انتهاءً بمشروع شهيد جديد يتمّ التحضير لاغتياله.
ما يختلف هذه المرّة أنّ محاولة الاغتيال قد ترك منفّذوها الأدلة الكافية، لكن ما لن يختلف عن المرّات السابقة هو إصرار القوى الأمنية على السير في التحقيق إلى النهاية، تماماً كما حصل في جريمة اغتيال الرئيس الحريري وبقيّة الملفات. وهذا ما تبلّغه رئيس الجمهورية من القوى الأمنية: لن نخضع لأيّ ضغط يهدف إلى طيّ الملف وسنسير به إلى النهاية.