لم يعرف اللبنانيون في تاريخ المصطلحات والمفردات والتسميات الامنية ما يفوق "داتا الاتصالات" شهرة في زمنهم هذا سوى تسمية "المكتب الثاني" في القرن الماضي. فعلى اختلاف الظروف وتطور الانماط الامنية ودخولها عصر التقنيات الرقمية والالكترونية المذهلة، تكاد "الداتا" تستعيد حرفيا ذلك الماضي "النجومي" لـ"المكتب الثاني" بكل ما يحمل من مفاهيم السطوة الامنية والاستخبارية و"عتمة" التواطؤ السلطوي على الخصوم والناس سواء بسواء.
من محاسن الاقدار اللبنانية اليوم ان قمع الحريات ولّى الى غير رجعة، بل سحق سحقا حتى لو تجبرت اي سلطة وركبت رأسها وظنت ان ما زال في وسعها القمع. نحن في زمن "الفايسبوك" و"تويتر" وما يشابههما، في عصر الكشف والانكشاف حتى حدود الاستباحة الشاملة للخصوصيات. المسألة لم تعد تستقيم اذاً مع تجسس تقليدي منقرض. ولكن الآفة التي تتعاقب عوارضها مع ملف "الداتا"، تنذر بان ثمة "نفقا معتما" يتحكم بسطوة قاهرة، في مجمل القرار الامني والاستخباراتي داخل المسماة دولة لبنانية. نفق يبدو انه يرقى الى زمن اجداده الاوائل، ورعيل الامنيين والاستخباراتيين والاشباح في ذلك الزمن الكلاسيكي. ومع فارق الشهرة الساحرة التي كانت لـ"المكتب الثاني" لدى اصحاب الحنين الى دولته آنذاك ، تتقدم "الداتا" اليوم الى صورة النفق صانع السياسات الامنية ومانع كشف الجرائم بما قد يشكل "ظلما" في المقارنة، خصوصا ان "النفق" اياه اثبت سطوته مرات ومرات، حتى قيل ان الضابط الشهيد وسام عيد سقط يوم اقتحم غمار التعقيدات الالكترونية لشبكة الاتصالات في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
ولعلنا كالجهلة الكثيرين العاديين حيال هذا العالم الاستخباراتي المعتم المعقد، نخشى ان تكون "الداتا" بوجهها الامني – السياسي وليس التقني والرقمي والالكتروني، قد استطابت السطوة في زمننا هذا لتقيم نفقها ومعاقلها داخل الدولة، وتغدو مصابة بغرور التقليد واستحضار اسوأ ما سبقها اليه الملهمون، في قديمهم وحديثهم.
ولو وقف الامر عند "المكتب الثاني" لهانت كثيرا اي خشية من سطوة عسكرية على المجتمع المدني، باتت عودتها او استعادتها اقرب الى الاستحالة. لكن الاسوأ ان الامر يتصل بجرائم الاغتيالات ومحاولات اغتيال حبلها على الجرار. واسوأ الاسوأ ان النفق المعتم يثبت سطوته على الدولة والسلطة ولا تعرف اين السلطة. فهل ترانا امام "نظام امني" وليد ضربه الحنين الى ايام بالكاد نسيها اللبنانيون في عصر يقال انه افل مع اوصيائه السوريين وترك حراسه على هذا البديل المحدث؟