صَبَر فريق 14 آذار جلستين ليستمع إلى طرح عن الاستراتيجية الدفاعية وسلاح «حزب الله» يمكن أن يكون موضع نقاش. وعندما وصل إلى الجلسة التي سيقدِّم فيها رئيس الجمهورية هذا الطرح، نفَدَ صبره وعلّق المشاركة. فهل أنقذ نفسه من الاصطدام بالرئيس، أم أنقذ الرئيس من الاصطدام بـ«الحزب»… أم هو أنقذ «حزب الله» من حيث لا يدري؟
هذه المرّة، ليس "حزب الله" منزعجاً لإعلان فريق 14 آذار تعليق مشاركته في الحوار. فخلافاً للجلستين السابقتين، ما كان ينتظر "الحزب" على الطاولة غداً لم يكن مريحاً له لسببين:
1 – أن التصوُّر للإستراتيجية الدفاعية والسلاح صادر عن راعي الحوار نفسه، أي عن مرجعية رئاسة الجمهورية التي لا يريد الاصطدام بها. ولا يمكن رفض هذا التصوّر لأنّ موقع الرئاسة يتمتّع برصيد من الحيادية، وهو ليس في موقع الخصم. ويستطيع الحزب مصارعة 14 آذار على السلاح حتى إشعار آخر، لكنه يتجنّب المواجهة مع موقع الرئاسة.
2 – أنّ تصوُّر بعبدا سيتضمن حدّاً أدنى من التنازلات. ولا يريد "حزب الله" في هذه "الحشرة" الداخلية والإقليمية أن يبدي أي استعداد للتنازل عن أي من أوراق قوته، فهو الآن في أقصى الحاجة إليها.
وتقول مصادر شاركت في الجلسة الأخيرة من الحوار إن النائب محمد رعد عمد فيها إلى شنّ هجوم وقائي، إذ كشف حقيقة موقف "حزب الله" من الإستراتيجية والسلاح في شكل واضح، وللمرّة الأولى، بالقول: ليس هناك مجال للمسّ بالسلاح عند البحث في الإستراتيجية. فهذا شيء وذاك شيء آخر. وفي هذا السياق جاء كلامه قبل أيام في كفرصير، عندما قال: الوقت ما زال مبكراً للحديث عن الإستراتيجية الدفاعية. فالتحرير يجب أن يتمّ أولاً.
ولم يكن "الحزب" مضطراً إلى أن "يبقّ البحصة" التي بقي يحتفظ بها سنوات طويلة، لو لم يكن هناك في جلسة الحوار المقبلة ما يثير هواجسه ويفضّل أن يتجنّبه. وأيّاً يكن طرح رئيس الجمهورية في ملف الإستراتيجية، فلن يكون مريحاً لـ"حزب الله" لأنه سيقيِّده بالتزامات أمام طاولة الحوار والمجتمع الدولي.
استفزاز متعمَّد
من هنا، رَفَع "الحزب" سقف مواقفه وشروطه في شكل غير مسبوق ويستفزّ قوى 14 آذار، فدفعها إلى ردّ فعل سلبي، أي وقف المشاركة. وهكذا يكون "الحزب" قد حقّق هدفه بتعطيل الحوار، لكن الدعوة إلى التعطيل جاءت من جانب الخصوم.
وفعلاً، سارعت 14 آذار إلى تعليق المشاركة في جلسة غد، على رغم أن كلام رعد لا يضيف شيئاً إلى موقف "الحزب" الحقيقي والثابت والمعروف في ملف السلاح. ولذلك، ثمّة من يسأل: ما دام فريق 14 آذار يدرك أن هذا هو موقف الحزب، فلماذا قرّر المشاركة في الحوار أساساً؟… ثم لماذا قرّر تعليق المشاركة احتجاجاً على كلام رعد الذي لا يضيف شيئاً على موقف "الحزب" الثابت؟
واللافت أن قوى 14 آذار علّقت مشاركتها في الحوار بناء على ردّ فعل من موقف "حزب الله". وهي شاركت في الحوار بناء على تمنيات عربية ودولية، وربما تكون 14 آذار واقعة من حيث لا تدري في موقع ردّات الفعل، في الذهاب إلى الحوار والخروج منه.
ولكن، في أي حال، بات من واجب رئاسة الجمهورية أن تطرح تصوّرها للاستراتيجية الدفاعية والسلاح، سواء انعقدت جلسة للحوار أم لا، وأن تجعلها مادة للنقاش الجدّي بين القوى السياسية، وليس للمناورة. ومن مصلحة الرئاسة أن تخرج عن صمتها وتحفظاتها، لأنّ الحياد لا يعني التحفّظ عن قول الحقائق وتسمية الأشياء بأسمائها. ومن مسؤولية الرئاسة أيضاً أن توضح للرأي العام الحيثيات التي أدّت إلى عرقلة الحوار، ومَن هي الجهات التي تتحمّل المسؤولية. فبهذا تكون الرئاسة قادرة على إظهار قوتها واستعادة رصيدها.