حكاية الهجرة مع اللبنانيّين متجذّرة في لاوعيهم منذ أمد قديم، لذلك هي ليست ظاهرة حديثة سبّبتها حوادث الربع الأخير من القرن الماضي. فهنالك أسباب متنوّعة ومعقّدة دفعت المقيمين الى ترك البلاد لاستيطان بلدان أخرى، إمّا طلبا للعمل أو هربا من أوضاع سياسية وأمنيّة مضطربة أو مقايضة للظلم بالحريّة. هذه العوامل حوّلت الهجرة من مشكلة بحاجة لحلّ، الى قضيّة مركزيّة حاضرة في عمق الوجدان الوطني، وجزء من ثقافة الإنتماء.
إنّ موجات اغتراب اللبنانيين بدءا من منتصف القرن التاسع عشر وحتى اليوم، قد ابتلعت كمّا هائلا من الأيدي والأدمغة، بلغ بحسب المسح الإحصائيّ ما يجاوز العشرة ملايين. هذه الطفرة الهائلة في حركة الهجرة الى أقطار الدنيا، كلّفت البلد تراجعا في توازناته الديموغرافيّة ونزفا انحداريّا في إمكاناته الإقتصاديّة، وتفريغا قسريّا للقرى والأرياف، وشلاّ للقطاعات الإنتاجيّة وفي مقدّمها استثمار الزراعة. لكنّها، في المقابل، قدّمت للبلدان المضيفة الرأسمال الكبير الحجم في المجالات الثقافيّة والسياسية والإجتماعيّة والإقتصاديّة وسواها، إذ برع اللبنانيّون في تبوّء المراكز المفصليّة في دول الإنتشار، ما ارتدّ تعويضا على الداخل اللبناني في مستويي حمل القضيّة اللبنانيّة الى المحافل الدوليّة وتشكيل صمّام أمان في التوازن الإقتصادي من خلال التحويلات الماليّة وحجم الإستثمارات.
أمّا الدوائر الرسميّة التي اهتمّت صوريّا بالواقع الإغترابي، فلا يمكن توصيف دورها إلاّ بالإهمال واللاّمبالاة، وهو موقف "روتيني" تستنسخه الحكومات المتعاقبة منذ كانت الهجرة، ويعتبر السبب الرئيسي في انفصال المهاجرين نهائيّا عن موطنهم، وبالتالي ذوبانهم التدريجيفي المجتمعات التي استقبلتهم. ومن أهمّ المشكلات التي واجهها المغتربون، وما زالوا، مشكلة القيود التي أفقدت هؤلاء جنسيّتهم وعلاقتهم بأصلهم. فالسلطة لا تبرع إلاّ في وضع العراقيل أمام حصول المغتربين على الجنسيّة اللبنانيّة، وذلك لوضعهم خارج المعادلة الداخليّة ليتسنّى لبعض القوى وضع اليد على الدولة من خلال انتخابات محسومة سلفا. فالدولة تمارس أبشع عمليّة إقصاء بحذف المغتربين من جغرافيا الوطن بهدف حذفهم من زمنه وتاريخه. إنّ شطب دور المغتربين يشكّل بندا ضمن إستراتيجية صاغها تقاطع المصلحة بين المتضرّرين في الداخل وبين دولة الجوار. وما الجمود الصّنمي الذي تمارسه وزارة الخارجيّة، وهي المحكومة من صانعي الإستراتيجية المشبوهة الآنفة الذّكر، سوى تحويل القرار المتّخذ بإلزاميّة مشاركة المغتربين في انتخابات 2013 الى حيثيّة غير قابلة للحياة.
إنّ ضرب قوّة الإنتشار التي تدافع بالدليل عن حقوق الوطن، بغصبها حقّها في ممارسة دورها الديمقراطي، هو عطب موصوف لعصب أساسي لمّا يزل يضخّ القدرة في الجسم المترهّل وقضاياه. والمطلوب إطلاق استراتيجية المواجهة التي تشترك فيها طاقات الإنتشار مع القوى الوطنيّة في الداخل، وقوامها نضال غير قابل للتراجع، وتحت يافطة وحيدة: إنّ ممارسة المغتربين لواجبهم الإنتخابي هو حقّ مكتسب وليس منّة من أحد. وبالتالي فهذا الحقّ ليس حقّا سياسيا بقدر ما هو حقّ كياني وإيديولوجي، يجب انتزاعه بالقوّة.
إنّ مشاركة المغتربين في الإنتخاب من شأنها أن تبدّل في النتائج وفي التوازنات وفي من يحكم لبنان، بعد أن تولّت جريمة تجنيس الإخوة تشويه الواقع السياسي ووضع القرار في الجيب السوري وملحقاته. والعرقلة مردّها الى المثل المعروف: "من يغيّر عادته تقلّ سعادته".