أولاً: القواعد الديبلوماسية المفروضة قانونا على السفارة السورية في لبنان
بموجب معاهدة فيينا لسنة 1961 المتعلقة بالتمثيل والتبادل الديبلوماسيين بين الدول ولا سيما المادة 2 منها "تنشأ العلاقات الديبلوماسية بين الدول وتوفد البعثات الديبلوماسية الدائمة بناء على الاتفاق المتبادل بينهما"، ما يعني:
أ: ان العلاقات الديبلوماسية تعبير دولي قانوني عن الشخصية الدولية القانونية للدولة وبالتالي عن السيادة والاستقلال والهوية الكيانية للدولة.
ب: ان العلاقات الديبلوماسية عمل سيادي تقدم عليه الدول لتثبيت سيادتها في الساحة الدولية وفي اسرة الدول السيدة.
فانطلاقا من الملاحظتين اعلاه – ولما كانت المادة (41) من معاهدة فيينا لسنة 1961 تنص بوضوح على واجب التزام البعثات الديبلوماسية المعتمدة "بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدولة … مع عدم استعمال مباني البعثة في اغراض تتنافى مع اعمال تلك البعثة او قواعد القانون الدولي العام ام الاتفاقيات الخاصة القائمة بين الدولتين.
ثانياً: خرق السفارة السورية في لبنان لقواعد اتفاقية فيينا
انطلاقا من مواقف السفير السوري في لبنان عبد الكريم العلي ومن تصرفات افراد البعثة الديبلوماسية السوريين في بيروت في اكثر من محطة تم رصد المخالفات والخروقات السورية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
1- تورط السفارة السورية مباشرة في عمليات امنية داخل الاراضي اللبنانية بحق رعايا سوريين (مثال خطف شبلي العيسمي وثلاثة من آل جاسم).
2- التدخل من خلال وزير الخارجية اللبناني في فرض وجهة نظر النظام السوري في موضوع الخروقات الامنية على الحدود وتبرير الاعتداءات السورية للسيادة اللبنانية ليس اخرها تصريح السفير السوري المبرر لخطف عنصري الامن العام في البقيعة في وقت يرفض رئيس الجمهورية اللبنانية العماد ميشال سليمان التصرفات السورية.
3- تحول السفارة السورية في بيروت الى وكر مخابراتي لملاحقة واضطهاد وقتل المعارضين السوريين اللاجئين الى لبنان من بطش نظام الاسد.
4- عدم اقدام السفير السوري على تقديم ولو مرة واحدة اي اعتذار رسمي باسم حكومته الى الدولة اللبنانية او حكومة لبنان بموضوع الخروقات الامنية في المناطق الحدودية منذ انطلاق الخروقات وحتى ساعة اعداد هذه الدراسة.
ثالثاً: الخطوات والاجراءات القانونية المتاحة للدولة اللبنانية لوقف التمادي الديبلوماسي السوري في خرقه السيادة اللبنانية
كل هذه الخروقات والتعديات حصلت وتحصل وتتكرر عند كل مناسبة، وحكومة لبنان لم تقم الى الان بأي خطوة سيادية تجاه الواقع المزر مع النظام السوري واعتداءات سفارته على سيادة الدولة والشعب… مع ان من حق لبنان الرسمي وفق معاهدة فيينا لسنة 1961 اتخاذ كافة الخطوات القانونية والديبلوماسية المناسبة لوقف هذا الاستهتار بسيادة الدولة المضيفة – ليس اقلها:
1- ابلاغ الدولة اللبنانية في اي وقت النظام السوري بأن رئيس او اي عضو من اعضاء البعثة الديبوماسية السورية المعتمدة في لبنان اصبح شخصا غير مقبول او ان اي عضو من طاقم البعثة السورية من غير الديبوماسيين اصبح غير مرغوب به (المادة 9من معاهدة فيينا). وهذا التصرف اذا ما اقدمت عليه الدولة اللبنانية، فانما يكون وجه من اوجه العمل السيادي المطلق للدولة – من هنا فإن النص يعطي الحق للدولة اللبنانية باستدعاء الشخص المعني بالتدبير اعلاه او بانهاء اعماله على اراضيها – تعبيراً عن الطبيعة السيادية لهذا القرار الرسمي.
2- انهاء اعمال الممثل الدبيلوماسي السوري (المادة 43 من المعاهدة).
3- رفض الاعتراف بالممثل الدبيلوماسي السوري كعضو في البعثة (مادة 43).
4- ابلاغ السفير السوري رسالة احتجاج شديدة اللهجة من جانب الحكومة اللبنانية (وهذا تدبير كلاسيكي عادي يشكل خطوة اولية قبل خطوة استدعاء السفير اللبناني لدى دمشق للتشاور).
رابعاً: تخلي الحكومة عن سيادتها الديبلوماسية وتغطيتها الخروقات السورية
الدولة اللبنانية ممثلة بحكومة اللاسيادة الحالية لم تستعمل الى الان وبالرغم من فداحة الخروقات السورية المتكررة والمتمادية والمستفحلة يوما بعد يوم اي من هذه الوسائل الديبلوماسية الشرعية والمشروعية المكرسة في معاهدة فيينا لسنة 1961 وتعديلاتها – بل على العكس شهدنا في اكثر من موقف ومحطة مواقف لوزراء في الحكومة اللبنانية تتبنى وجهة نظر المعتدي (تبني وزير الدفاع رواية النظام السوري بموضوع وجود القاعدة في شمال لبنان وتعريض الشعب اللبناني في هذه المنطقة بالتالي للاخطار المباشرة من جانب القوات المسلحة لنظام بشار الاسد تحت غطاء سياسي لبناني متخاذل ومتواطىء مع المعتدي السوري) ومواقف وزير الخارجية اللبناني عدنان منصور الناطقة باسم وجهة نظر النظام السوري في لبنان بدل ان يكون الوزير ممثل الديبلوماسية اللبنانية السيادية والمشددة على احترام استقلال وسيادة وحرية لبنان ارضا وشعبا ومؤسسات … واخر مآثر هذا الوزير تصريحه لتلفزيون لبنان بتاريخ 9/7/2012 بـأن مقتل اللبنانيين في وادي خالد كان "خطأ ميدانيا" لا يستوجب شكوى في مجلس الامن…
مبدأ الدولة ذات السيادة الناقصة (او الدولة الناقصة السيادة ) : فكل هذه العوامل والمواقف والتصرفات تؤدي الى اعتبار ان ما يحصل يجعل لبنان دولة ناقصة السيادة او ذات السيادة الناقصة في المفهوم القانوني الدولي والتي تعني عدم تمتع لبنان بكامل حريته في التصرف بسبب خضوعه لدولة اخرى كالقاصر الذي لا يستطيع ادارة شؤونه بمعزل عن الدولة الاخرى رغم تمتع الدولة اللبنانية بمركزها القانوني على الساحة الدولية.
وفي هذا السياق نشير الى ان النظام السوري خالف بانتهاكاته المتمادية للسيادة اللبنانية ولامن واستقرار لبنان – معاهداته واتفاقاته الامنية التي وقعها مع الدولة اللبنانية الخاضعة للوصاية والاحتلال في حينه والمتشدق بها هذا النظام (والتي لنا بموضوعها اكثر من تحفظ ورفض) – ولا سيما احكام اتفاقية الدفاع والامن بين الجمهورية اللبنانية والجمهورية العربية السورية تاريخ 1/9/1991 والتي نصت على انشاء لجنة لشؤون الدفاع والامن بين البلدين يكون من مهامها "دراسة الوسائل الكفيلة بالحفاظ على امن الدولتين واقتراح الخطط المشتركة… ومجابهة اي اضطرابات تخل بالامن الداخلي لاي من الدولتين…".
فهذه الالية مفترض بحكم الاتفاقية الثنائية الامنية المشار اليها ان تحكم العلاقات الامنية بين البلدين وقد تخطى النظام السوري هذا النص بالتدخل العسكري والامني المباشر ضد الاراضي اللبنانية والشعب اللبناني في الشمال وخرق بالتالي مبدأ السيادة والحماية الديبلوماسية.
القسم الثاني: حكومة اللاسيادة والنأي بالنفس عن الدستور
القسم الأول: قبل انهيار الجمهورية الدستورية
