كتب معروف الداعوق في "اللواء":
يُلاحظ أن رئيس التيار العوني ميشال عون حائر بتصرفاته وسلوكه السياسي، يريد تبديل نهجه السياسي وتغيير تموضعه السياسي ولو تدريجاً لملاقاة المتغيّرات المتسارعة وغير المحسوبة على الساحة السورية ولكنه متردد وقلق وخائف من إنعكاسات ومخاطر مثل هذا التبدّل في التحالفات "الإلهية" مع النظام السوري و"حزب الله" على تياره وعليه شخصياً، مستنداً في مخاوفه إلى ما تعرّض له بعض المرتدّين عن التحالف مع هذا المحور من ردات فعل إنتقامية دموية مشهود لهذا التحالف باتباعها تجاه المنقلبين عليه والمؤثرين في موازين القوى السياسية وخصوصاً في هذه المرحلة الحساسة والمفصلية من الصراع السياسي الداخلي والإقليمي المفتوح على كل الاحتمالات.
لم يستطع النائب عون تثمير تحالف التيار العوني مع "حزب الله" والنظام السوري طوال السنوات التي أعقبت عودته من منفاه الباريسي، لصالح تثبيت مواقع التيار السياسية وتوسيع قاعدته الشعبية كما كان منتظراً، ولم تنفع كل مقومات الدعم المعنوي والسياسي والمالي من قبل هؤلاء الحلفاء، في تبديل المزاج الشعبي من ممارسات وسلوكيات التحالف المذكور المغايرة كلياً لتوجهات ومشاعر أكثرية اللبنانيين، بالرغم من الشرح المطوّل وغير المقنع لورقة التفاهم الموقعة مع "حزب الله" والتي بقي مضمونها حبراً على ورق فقط وتوقيعها كان لصالح عبور الحزب لتحقيق المصالح السورية الايرانية على حساب السيادة اللبنانية ومصالح الشعب اللبناني من دون استثناء، في حين ظهر ضرر الورقة البالغ على الشرائح الشعبية المؤيدة للتيار والتي إنكفأ البعض منها عن الاستمرار في تأييد التيار العوني احتجاجاً ورفضاً لهذه الممارسة، كما اعلن ذلك صراحة اكثر من قيادي في التيار المذكور وعلى رأسهم الوزير جبران.
ولم يكن حظ التيار العوني في المشاركة بالسلطة افضل من وجوده في صفوف المعارضة على الصعيد الشعبي كما توقع رئيسه على وجه الخصوص، إلا من ناحية الاستئثار بالصفقات وتوزيع المغانم على الحلقة الضيقة من المقربين والمنتفعين، فكان اعطاؤه ظاهرياً اكبر عدد من المقاعد والحقائب الوزارية "المنفوخة" شكلاً بضم بعض الحلفاء الاصطناعيين، جائزة ترضية لضمان استمرارية انضوائه في صفوف التحالف الايراني السوري ولاستعمال هذا التحالف في الاستمرار بمصادرة القرار السلطوي اللبناني لصالح المخططات والاهداف السورية والايرانية المعروفة من القاضي والداني على حدٍ سواء، في حين لم يتمكن النائب عون من تحقيق طموحاته الواسعة في الاستئثار بمقدرات الدولة والتحكم بمفرده بتحديد مسارات السلطة وتبديل هيكليتها على قياس تياره وطموحه الذي يؤدي في النهاية لوصوله إلى كرسي الرئاسة الأولى، كما كان يسعى ويطمح باستمرار، مما أدى إلى تنافر متواصل وخلافات حادّة لم تتوقف مع حلفائه الأقربين والأبعدين، لأنهم لم يسيروا وفق ما يريده ولم يقاتلوا إلى جانبه ولو بالحد الأدنى لضمان تنفيذ بعض وليس كل ما خطط له من مشاركته الواسعة في الحكومة الميقاتية والتي قد لا تتكرر مستقبلاً في اي حكومة كانت.
وما زاد الطين بلة في زعل زعيم التيار العوني من حلفائه القدامى والجدد على حد سواء، انه لم يحسب لدى انضوائه تحت أجنحة الحلف السوري – الإيراني، ان يتعرض النظام السوري الذي رعى عودته إلى لبنان من الخارج، لمثل هذه الانتفاضة الشعبية الواسعة التي خرجت عن كل توقعات وحسابات حلفائه وحتى حساباته الشخصية، وباتت تُهدّد بشكل جدي استمرارية النظام المذكور على رأس السلطة في سوريا مع توقع وصول نظام جديد، لا يمكن لاحد التكهن بكيفية تعاطيه مع لبنان، ولكن الثابت ان اي نظام محتمل وصوله للسلطة لن يتعاطى مع اللبنانيين بنفس الاسلوب السابق، وهو ما يحرم حلفاء سوريا التقليديين ومن بينهم التيار العوني الدعم الذي لاقوه على مرّ السنوات الماضية في مواجهة خصومهم السياسيين بالداخل.
ولعل اكثر ما يزعج النائب ميشال عون هذه الايام الاثر السلبي البالغ لتأييده النظام السوري المتهالك، وتوسع هذا الاثر على شرائح واسعة من قاعدته الشعبية في اكثر من مكان، لا سيما مع قيامه بالدفاع المستميت عن ممارسات النظام الوحشية والدموية ضد ابناء الشعب السوري وهي نفس الممارسات القمعية التي تعرض لها معظم اللبنانيين أبان حقبة الوجود السوري للبنان.
فحالة زعيم التيار العوني لا يحسد عليها وهو يدور في حلقة مفرغة، لا يستطيع الاستمرار في تحالفاته الحالية ولا يستطيع الخروج عنها وكسرها وصياغة تحالفات جديدة يعوض فيها عما يخسره، لان مجازفة كهذه قد تطيح بالكثير من المكاسب والمواقع السياسية التي يحظى بها حالياً، ولان معظم الاحزاب والتيارات المنافسة لا تأمن التحالف معه استناداً إلى تجاربه السابقة المخيبة للآمال على الدوام.