أمر منطقي أن يؤجّل موعد الحوار الوطني. لكن ما ليس بمنطقي أبداً، هو الاستمرار في الدقّ على ذلك الوتر رغم تقطّعه إلى ألف قطعة وقطعة.
والبداهة بديل التمسحة الذهنية. وهي تفرض حالها من دون زوائد ولا شوائب: على ماذا سيدور الحوار طالما انّ صاحب السلاح حسم أمره ودعا الآخرين إلى تبليط البحر؟ وعلى ماذا سيدور الحوار إذا كانت قيادات 14 آذار تعتقد وتلمس أن كثرة الحكي عن الحوار ليست في واقعها وحقيقتها الأخيرة، إلاّ محاولة للتغطية على الإلغاء، وأنّ ذلك الإلغاء قرار مُتّخذ وجارٍ تنفيذه أينما أمكن رغم الفشل في ذلك راهناً، مرّة تلو أخرى! بعد النجاح فيه سابقاً مرّة تلو أخرى!
يُفهم أن يكون الحوار في أصله وفصله ومبتغاه ورجاه طريقاً نبيلاً إلى التسوية وترفها وعلوّها وسمّوها، وأن تكون هذه بدورها وليدة قناعة عند طرفيها بأخذ الآخر كما هو، على علاّته وحسناته، وأمراضه وعافيته.. كما يُفهم أن يكون الحوار أمراً طبيعياً في دولة مثل دولتنا قائمة على تسوية أبدية، وفي بلد مثل بلدنا ينام في حضن المشتركات ويروبص كلما ارتفعت وتيرة التمايزات. لكن ما لا يُفهم، لا اليوم ولا في 16 آب ولا في كل آب لهّاب هيّاب، هو إصرار فريق السلاح على إظهار تمسّكه بمنطلقاته الأولى، ثم اتهام الفريق الآخر بالاثم.. يطلب الحوار ويشارك فيه كمُعطى سياسي مرحلي لا علاقة له بالقناعة الأخيرة: إذا استوجب الوضع انحناءة حوارية فليكن. وإذا استوجب تنتيعة استعلائية فليكن. والأمران ينطلقان من حسابات المصلحة الخاصة وضروراتها ومناوراتها وهدفها المركزي الدائم بفرض السيطرة السياسية والميدانية والشرعية والشارعية وإبقاء لبنان جزءاً من المحور الممانع والمناتع، شاء مَن شاء وأبى مَن أبى فيه وفي خارجه!
أمّا طموحات وأحلام المراهقة السياسية الباحثة عن هونغ كونغ في وجه هانوي فيكفيها أنّها في يقظتها أسيرة وضع يتأرجح بين البحث عن الأمان الشخصي والبحث عن كيفية مواصلة الدفع إلى الأمام بمشروع لبنان فوق غيره وقبل غيره. وحقّ أهله فيه، كبلد سيد حرّ مستقل، دفع ما عليه من سندات وآن له أن يقبض صكّ السيادة التامّة والاستقرار المعقول والدولة الممكنة والمتمكنة!
.. يتذاكى الاخوان في الممانعة: نقبل بالآخر تحت سقف اذعانه لواقع الحال القائم. السلاح موجود ووظائفه نحن نحدّدها، والحكم لنا ولو فشل، وممنوع عليكم ولو نجح. ودون ذلك نتحاور.. وفي المضمر نلغي ونمحي!