بدا رئيس «جبهة النضال الوطني» النائب وليد جنبلاط سعيداً ومسروراً لدى سماعه نبأ مقتل قادة الأجهزة الأمنية السورية، ولكنه فكّر ملياً قبل الإقدام على أي خطوة قد تثير انزعاج البعض في الداخل اللبناني، خصوصاً «حزب الله»، ما يؤدي إلى أمور من شأنها هزّ الاستقرار.
في الجبل الذي يشهد هدوءاً لافتاً في سياق التنسيق الميداني بين "حزب الله" والحزب التقدمي الاشتراكي، كان جنبلاط ينتظر "على ضفة النهر أن تمرّ جثة عَدوّي يوماً ما أمامي"، وهو أمام خيارين: إمّا أن يقدم على خطوة ما على طريقته مثل إطلاق النار، أو يزور ضريح والده ويضع زهرة عليه، في اعتبار، وفق ما يقول قريبون من سيّد المختارة، أنّ مدير مكتب الأمن القومي السوري هشام بختيار كان أحد أبرز المخططين لاغتيال الزعيم الراحل كمال جنبلاط، والمعلومات في هذا السياق تدخل ضمن الملف الذي كان جنبلاط وضعه على الطاولة في إحدى مقابلاته المتلفزة، ويومها أشار إلى أنّ هذا الملف يحتوي كل المعلومات المتعلقة بعملية اغتيال والده.
من هنا، تطرح تساؤلات عن تموضع ما قد يُقدم عليه جنبلاط بعد مقتل القادة الأمنيين في دمشق وتسارع التطورات السورية، وهو بحسب عارفيه ينتظر "على الكوع" سقوط النظام السوري ليتحرّر من بعض الضوابط والأثقال ربطاً باستقرار البلد، ولا سيما الجبل.
وفي هذا الإطار، تشير أوساط في 14 آذار إلى أنّ التصريح الأخير لجنبلاط كان نوعياً لجهة مقاربته الأحداث السورية وندائه الموجّه إلى دروز جبل العرب للالتحاق بالمعارضة.
لكن هل سيعود سيد المختارة إلى فريق 14 آذار؟ تتوقف الأوساط نفسها عند إشارة ذات أهمية تتمثل بتفهّم جنبلاط موقف هذا الفريق بتعليق المشاركة في طاولة الحوار، وهو الذي كان يحضه دائماً على الحوار، ويشدد في الوقت عينه على التمسك بالحكومة الحالية نظرا إلى استحالة تشكيل حكومة جديدة في هذه الظروف الصعبة، ما قد يؤدي إلى الفراغ بحسب رأيه، إنما بدا أن جنبلاط يستشعر قرب انهيار النظام السوري، وبات لديه هامش اكبر في المناورة السياسية، بما في ذلك التفلّت من بعض الضوابط والمسلمات، ومنها الحوار والحكومة، وبالتالي تنسجم مواقفه إلى حد كبير مع المعارضة. وهو ربما قد يملك معلومات وثيقة عن استقالة قد يُقدم عليها الرئيس نجيب ميقاتي في لحظة إقليمية وداخلية معينة، قد ترتبط بمسار الأوضاع السورية والتطورات الدراماتيكية التي أخذت أبعاداً خطيرة، وانعكاساتها على الداخل اللبناني واضحة. وربما، وفق العارفين والمطلعين على الأجواء السياسية، قد تتفاقم في الأيام المقبلة بنحو غير مسبوق، خصوصاً على الحدود الشمالية وفي البقاع، من خلال المعلومات عن الحشود العسكرية للنظام السوري، ولذلك تداعياته على الداخل اللبناني.
من هذا المنطلق، فإنّ جنبلاط، ومن خلال معلومات دقيقة، بدأ يحوط نفسه بتعزيزات أمنية مشددة، و"يُقنّن" وجوده في بيروت نظراً إلى الأوضاع الأمنية الخطيرة، إذ نصحته أكثر من جهة بضرورة اتخاذ أقصى درجات الحيطة والحذر في هذه المرحلة، وهو الخبير كما ينقل عنه أصدقاؤه، بقدرة النظام السوري على إلحاق الأذى وتوسيع دائرة الاغتيال في ظروف مماثلة.
ولا تستبعد الأوساط المعنية أن يتخذ جنبلاط مواقف تصعيدية تجاه النظام السوري، وربما على مستوى الأداء السياسي الداخلي لبعض القوى التي تدور في الفلك السوري. وبالتالي تقول أكثر من جهة سياسية على بَيّنة من مسار الأوضاع إن العلاقة بين سيد المختارة و"حزب الله" لن تعمّر طويلاً، وقد تهتز في أي لحظة، خصوصاً في سياق الدعم المطلق الذي يجاهر به الحزب للنظام السوري، إلى ما قاله أمينه العام السيد حسن نصرالله في خطابه الأخير عن دعم النظام للحزب في حرب تموز وإشادته بالقادة الأمنيين الذين قتلوا في مقر الأمن القومي.
ومن الطبيعي أن كلام نصرالله، الذي أزعج فريق 14 آذار وقيادات عربية وأذهلها، ترك استياءً لدى جنبلاط "البالِع الموسى" في هذه المرحلة على خلفية الاستقرار، ما يؤشر إلى أن الأمور لن تبقى على ما هي عليه، بل هي مرشحة للانفجار، خصوصاً كلما تفاعلت الأحداث السورية.
وفي غضون ذلك، فإنّ جنبلاط لن يخرج عن مقررات مؤتمر الدوحة الأخير، ويبقى في الحكومة الحالية. علماً أن لبنان، وبحسب المعلومات، هو البلد الوحيد الذي خرج عن الإجماع العربي لدى إقرار البند الأساسي لهذا المؤتمر الذي يقضي بتنحّي الرئيس السوري بشار الأسد عبر مخرج سياسي له ولعائلته، وإلّا فهو هنا سيبقى على قطيعة مع السعودية، وحتى قوى 14 آذار، وهذا ما سيتبلور في الأيام المقبلة.