أضرب القطاع العام أمس، في كل وزارة وإدارة، كما يضرب اليوم أيضاً، ولكن بـ"زخم" تظاهرة مركزية صباحية، هي الأولى من نوعها في تاريخ لبنان، تقودها "هيئة التنسيق النقابية" من ساحة البربير إلى السرايا الحكومية، فيما حكومة الرئيس نجيب ميقاتي عاجزة عن احتواء أزمة تسببت بها لنفسها، بفعل وعودها المزيفة لإقرار سلسلة الرتب والرواتب، لا بل زادت الطين بلة بذهاب الوزراء المعنيين إلى تهديد الموظفين بالعقاب في حال نفذوا الإضراب، علماً أن بقاء الأمور بلا حلول يعني أن "الخطوات القادمة ستكون قاسية ومؤلمة وموجعة وستتمثل بشل كل الإدارات عن العمل لأيام طويلة" وفق ما يؤكد أعضاء "هيئة التنسيق".
والمفارقة، أن الحكومة العاجزة عن مواجهة إضراب القطاع العام، عاجزة أيضاً عن مواجهة سفير للنظام السوري "يستغرب" و"يحتج" على موقف رئيس الجمهورية ميشال سليمان الرافض للخروق الأسدية المتكررة، والذي كان محور إشادات لبنانية، تقاطعت على اعتباره موقفاً "مشرفاً" و"شجاعاً"، وأجمعت على استنكار ما وصفته "كتلة المستقبل" بـ"التصرفات غير اللائقة لسفير النظام السوري، ورده على رئيس الجمهورية خلافاً للأعراف الديبلوماسية".
موقف الحكومة بالاستمرار بدفن رأسها في "رمال الصمت والتجاهل للانتهاكات الصادرة عن النظام السوري"، على حد تعبير "كتلة المستقبل"، جاء ليؤكد خضوع الحكومة ورئيسها ميقاتي لـ"ترهيب ممنهج" يمارسه السفير السوري علي عبدالكريم علي ونظامه ضد السيادة اللبنانية، وبحيث بدت الحكومة أعجز من "مجاراة" موقف رئيس الجمهورية، ولو بالشكل حتى، لدرجة أن وزير الخارجية عدنان منصور لم يبادر أمس إلى تلبية الطلب الرئاسي، بل وأوضح لـ"المستقبل" أن "وزارة الخارجية تدرس المعطيات على الأرض وستقوم بالمقتضى، وتدرس الأحداث التي حصلت وستبني على الشيء مقتضاه".
"تلكؤ" منصور في تلبية طلب سليمان بالاحتجاج "ليس جديداً"، لكنه فاضح ويقارب العصيان، طالما أن "توجيه كتاب احتجاج إلى السفير السوري هو بمثابة توجيه كتاب احتجاج ولوم إلى نفسه أيضاً، لأنه كان من الأجدى أن يبادر من تلقاء نفسه الى توجيه ذلك الكتاب نسبة الى ازدياد عدد الخروق السورية"، على حد قول مصادر سياسية لـ"المستقبل".
وفيما يبدو أن رئاسة الجمهورية تنتظر ما سيقوم به منصور، لم تشأ مصادر قصر بعبدا التعليق على "استغراب السفير السوري موقف رئيس الجمهورية من الخروق السورية في منطقة القاع"، لكنها أكدت لـ"المستقبل" أن "الحفاظ على السيادة الوطنية أمر محسوم ولا يمكن تجاهله أو النقاش فيه، سواء أكانت الجهة التي قامت بالتجاوز هي دولة صديقة أو عدوة".
ولفتت أوساط مراقبة لـ"المستقبل" الى أنه سبق للسفير السوري أن سجل احتجاجه على الخروق التي تحصل من لبنان على سوريا، من خلال تهريب السلاح وعبور مقاتلي الجيش السوري الحر، واتخذ مجلس الوزراء والجيش اللبناني حينها التدابير الأمنية اللازمة لضبط الحدود، وبالتالي فإن موقف رئيس الجمهورية يأتي كترجمة لمبدأ المعاملة بالمثل، بمعنى أن لبنان اتخذ التدابير التي تمنع المساس بالسيادة السورية، وعلى سوريا أيضاً أن تقوم بما يلزم لاحترام سيادة لبنان".