#dfp #adsense

“الجمهورية”: جنبلاط يتحصَّن في المختارة ولا يُحبِّذ الإنضمام إلى شهيّب

حجم الخط

كتب طوني عيسى في صحيفة "الجمهورية":

رئيس «جبهة النضال الوطني» النائب وليد جنبلاط في ذروة القلق. وهو، إذ ينتظر عند ضفّة النهر عبور جثّة الخصم بدأ يتَّخذ احتياطات استثنائية. فالخصم، في لحظاته القاتلة، قد يغدر به من الخلف. هذه هي قوانين أفلام الغرب الأميركي: كلّ بطل هو أيضاً مشروع جثّة!

المعلومات التي وردت إلى جنبلاط من مصادر ومرجعيات ديبلوماسية وأمنية تؤكّد أنّه يقترب أكثر فأكثر إلى دائرة الاستهداف الجسدي. ولذلك، هو يلتزم المختارة ضمن إجراءات أمنيّة شديدة الحذر. ويكاد يوقف تحرّكاته ولقاءاته الشعبية خارج دارته. وهو اتّخذ قراراً بعدم النزول إلى بيروت حاليّاً. ولم يكُن ليشارك في جلسة الحوار الثلثاء في بعبدا، ولو شارك فيها فريق 14 آذار، لأنّ لديه أسبابه الأمنية.

وقد نقل جنبلاط هذه الأجواء قبيل الجلسة، عبر أحد وزرائه، إلى رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، وكذلك أبلغ إلى الرئيسين نبيه بري ونجيب ميقاتي. وهو لقي تفهّماً لهواجسه لدى المرجعيّات الثلاث. وهذا التفهُّم أسهم أساساً في دفع سليمان إلى تأجيل جلسة الحوار، بدلاً من عقدها "بمَن حضر" إلى جلسة تشاور، ثمّ رفعها لعدم اكتمال النصاب، وفق ما كان مُرجَّحاً.

ويَستدلّ القريبون من جنبلاط إلى ارتفاع منسوب التهديدات الأمنية ممّا تعرّض له أحد أقرب المقرّبين إليه، النائب أكرم شهيّب الذي بات اليوم مقيماً في باريس، بعد المعلومات التي تمّ كشفها قبل أسابيع عن مخطّط مرسوم في دقّة لاستهدافه جسديّاً. فقد جرى تعقُّب شهيّب لشهرين. وخلال هذه الفترة، تلقّى إشارات إلى وجود تهديدات باستهدافه هو ورئيس الحزب. وأتاح التعاون مع جهاز أمني رسمي فاعل التعرّف إلى انتماء الذين لاحقوه، وتحديد الأرقام الحقيقية للسيّارات التي استُخدمت لهذه الغاية.

وفي المعلومات، إنّ جنبلاط هو الذي طلب من شهيِّب التغيُّب عن الساحة خلال هذه الفترة، بعدما وصلت إليه المعلومات الموثّقة عن قرار باستهدافه جسديّاً. وهذا القرار، وفقاً للمصادر الوثيقة الإطلاع، يحمل بصمات مرجع أمني معروف بنفوذه في النظام السوري، وهو قضى في انفجار مبنى الأمن القومي.

وفي الأوساط المحيطة بجنبلاط، ثمّة مَن ينصحه بأن ينضمّ إلى شهيّب في باريس، حرصاً على سلامته. لكنّ جنبلاط لا يحبّذ هذا الخيار، أي تكرار تجربة الرئيس سعد الحريري، لأنّه يعتقد أنّ هناك حاجة ماسّة إليه كزعيم درزي، ولا يمكنه التخلّي عن حضوره الميداني وتواصله المباشر مع قواعده الشعبية. لكنّ السؤال الذي يبقى مطروحاً: إلى أيّ حدّ سيستطيع جنبلاط الصمود في وجه التهديدات والهواجس الأمنية، ومواجهة خيار المغادرة إلى الخارج؟ وهذا السؤال مطروح بالتزامن مع ما يتعرّض له الحزب الاشتراكي من اتّهام بالوقوف وراء محاولة لاغتيال الوزير السابق وئام وهّاب… في سوريا.

الجرعة القاتلة

حتى اليوم، كان جنبلاط يحمي نفسه من خلال التعهّد الذي قدّمه إلى "حزب الله" بعدم الانسحاب من الغالبية وعدم إسقاطها وإسقاط الحكومة، وبعدم مجاراة فريق 14 آذار في موقفه من السلاح. ولذلك، تمّ الاتفاق في اللقاءات بين وزراء جنبلاط و"الحزب" ونوّابهما وكوادرهما، خصوصاً في الجبل، على إبقاء العلاقة بينهما في الحدود الطبيعية. وهناك اعتقاد لدى بعض المتابعين بأنّ "حزب الله" يحتاج أيضاً إلى جنبلاط المتمايز في الغالبية، لأنّه قد يكون وسيطاً مع تيار "المستقبل" وفريق 14 آذار، إذا ما سقط حليفه الإقليمي وبات "الحزب" في حاجة إلى احتضان لبناني يحميه.

والتطوّرات السورية المتسارعة تجعل هذه الفرضية أكثر إلحاحاً. ولذلك، قد يكون لدى الحزب حرص على جنبلاط مهما تباعدت المواقف معه، لكنّ أحداً لا يضمن ولادة معطيات معيّنة لدى البعض في الداخل أو الخارج تؤدّي إلى حصول الأسوأ، فيتمّ استهداف جنبلاط لتحقيق غايات أو إيصال رسائل معيّنة.

ويحرص جنبلاط على أن لا يستعدي نظام الرئيس بشّار الأسد و"حزب الله" في آن معاً. فعندئذٍ سيكون مقدار الجرعة قاتلاً. ولذلك، في موازاة حربه المفتوحة على النظام، من المؤكّد أنّه لن يقترب من إيضاح مواقفه من السلاح. وهو لن يفعل ذلك إلّا بمقدار ما يشعر بأنّ الخصم الإقليمي قد بدأ يتلاشى. ولهذا السبب، كان جنبلاط قبل أيّام ينتقد رئيس حزب "القوّات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع لأنّه قاطع الحوار، لكنّه بعد انفجار دمشق بات أكثر تفهّماً لموقفه. وتجرّأ جنبلاط، للمرّة الأولى، على مطالبة "حزب الله" بإيضاح الموقف الذي أعلنه النائب محمد رعد من الحوار والسلاح. وبدا قريباً من موقف 14 آذار المقاطع للجلسة الأخيرة.

الخطر على جنبلاط يكمن اليوم في الآتي: إذا طالت الحرب في سوريا، ومضى الزعيم الدرزي في تمييز موقفه، ليس في الموضوع السوري فحسب، بل في موضوع السلاح. وإذا تبيّن أنّ جنبلاط يتّجه إلى إسقاط الحكومة وتغيير الغالبية، فذلك قد يعني أنّه انقلب على الخيارات التي التزمها حتى الآن. وهذا ما سيكون استفزازيّاً لحلفاء سوريا، وسيؤدّي إلى بروز معطيات غير محسوبة. وربما يندفع البعض إلى الخيار الأسوأ مع جنبلاط. وربما يكون ميقاتي في مأزق مشابه يمنعه من إسقاط الحكومة.

إنّه السباق المحموم على الجثث، أو بين الجثث… في سوريا وفي لبنان. ولعلّ الباب الأسلم لإنقاذ جنبلاط وسائر المستهدفين من 14 آذار، هو في أن تَعبُر الأزمة السورية سريعاً النهر المليء بالجثث العائمة أو تلك التي ستعوم!

 

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل