بعد الحرب العالمية الثانية ظهر في السياسة الاميركية عاقلان: ديبلوماسي، يدعى جورج كينان، وضع مبدأ "احتواء" الخصوم بدل محاربتهم، ووزير الخارجية جورج مارشال، الذي دعا الى تعمير دول الحلفاء المهدمة. وحيث لم تلتزم اميركا هذين المبدأين، شهدت السقوط: الصين، فيتنام، افغانستان. وحيث طبقت "مشروع مارشال" كان قيام المانيا الغربية وفرنسا وغرب اوروبا، وسمعة واشنطن الحسنة، عكس الرعونات والمغامرات والحمق الفارغ والدماء، تحت اي اسم او تبرير.
في 31 كانون الثاني 2011 قال الرئيس السوري بشار الاسد لصحيفة "وول ستريت جورنال" إن سوريا بلد مستقر "لأن عليك ان تبقى دائما على تواصل مع شعبك. عندما يحدث الافتراق يقوم فراغ يؤدي الى الاضطراب". كانت تلك نبوءة تاريخية لم يتنبه هو الى مدى عمقها وصحتها. بدل ان يسارع الى احتواء تظاهرة صبيانية في درعا، ومن ثم الى ارسال ورشة تعمر فقرها وخرابها، ترك لعجرفة الامن وعماه وفظاظته ان يطلق اسوأ عملية افتراق بين النظام والناس.
وفي احياء درعا الفقيرة وريفها، سوف تنتهي أطول مرحلة استقرار في تاريخ سوريا المعاصر. مرحلة بدأت مع حافظ الاسد، عام 1970، و"اضطربت" (كما في تعبير نجله) مع بشار الاسد بعد 11 عاما على توليه الحكم، بتدبير من العائلة، ومبايعة من الحزب، وقبول شعبي غير مشكوك فيه، على رغم صورية الاقتراعات العربية ولزاجتها.
كان ثمة توافق عربي واقليمي ودولي على ان سوريا المستقرة افضل بكثير للسوريين ولسواهم. لذلك اشاح الجميع، داخلا وخارجا، نظرهم عن عملية التوريث الذي جعل شاباً في الرابعة والثلاثين ضابطاً برتبة فريق ورئيسا على 20 مليون سوري. ولم يحاول احد ان يخبئ فرحته بتجاوز الدستور وتجاهل المألوف. وكان السوريون اول من استخدم كلمة الربيع وهم يرون شيئا من الحرية يطل مع الطبيب الشاب. وابتهج به الجار التركي، الذي رحب به في أنقرة، محلّقا فوق الاسكندرون دون تذكّرها. ورحب به الفرنسيون الجدد، الذين اقاموا علاقة مباشرة من خلال آصف شوكت، وارسلوا الى الارشيف تلك العلاقة السابقة التي هدها اغتيال رفيق الحريري ايام جاك شيراك. بل لم تلتفت باريس الى الخلل الديبلوماسي الذي حصل يوم حرصت دمشق على اعلان ترقية آصف شوكت في يوم اغتيال رفيق الحريري بدل الانتظار الى اليوم التالي.
أقام حافظ الاسد مع السعودية ومصر "سيبة" ثلاثية تشبه المرسى في متاهات السياسة العربية، وانزلاقاتها وعداواتها وحروبها. وحرص على ثبات هذه المؤسسة القممية واستمرارها، على رغم الاندفاع في التحالف العضوي مع ايران. وتغاضت بدورها القاهرة والرياض عن علاقة موازية مع دولة تحرك ضدهما قوى كثيرة. اما الرئيس الابن، فما لبث ان الغى هذا الهرم. استبدل العلاقة مع الرياض بعلاقة ابتهاجية مع خصمها (آنذاك) قطر. ثم ضاق ذرعاً بكهول العرب فوقف يخطب عن "أنصاف الرجال"، عبدالله بن عبدالعزيز ورئيس مصر. وأقام علاقات زاهية مزهوة، على الصعيد الدولي ايضا، مع فرنسا وتركيا. وفي باريس حل ضيف الشرف على احتفال 14 تموز ونيكولا ساركوزي، الذي كان يفتت، منهجياً، إرث جاك شيراك.
من الدوحة الى باريس، مروراً بأنقرة، بدت سوريا للمرة الاولى خارج تقاليد العزلة او الصداقات التي من نوع هوغو تشافيز وكيم جون – إيل. ثم فجأة هوى كل شيء. عداء عنيف مع تركيا وفرنسا وقطر. وعادت دمشق الى لغة الستينات، "تثمن منجزات الزعيم كيم جونغ – إيل". وبعدما كانت "الجزيرة" منبرها المفضل، صارت بوقاً صهيونياً. ولم يعد ثمة مكان حتى في لبنان لسعد الحريري الذي ترك صورة والده في قريطم وذهب الى دمشق مصافحاً. والسعودية، التي ظلت طوال عشر سنين تتجاوز الاهانات في سبيل تسوية تضبط الانهيار في لبنان، صارت هدف حملات الناطقين باسم دمشق في بيروت، من الملك الى عباءة المرأة.
لم يعد النظام السوري يرى من حوله، وفي داره، سوى الأعداء والمتآمرين. الدبابات تجوب الارياف والمدن في الداخل، والصوت يرتفع عالياً في الخارج ضد "مؤامرة كونية". وكجزء من الديبلوماسية الناجحة، ألغى وزير الخارجية القارة الاوروبية عن الخريطة. وشتم سفير سوريا لدى الجامعة أم الجامعة وآباء المجتمعين. وكانت ترافق ذلك، كالعادة، تصريحات لسياسيين لبنانيين بأن الازمة انتهت. لكن الازمة، مثل "المؤامرة"، كانت تتحول اكثر كونية يوماً بعد آخر. جاء العرب، ثم جاء المراقبون الدوليون، ثم حُضّرت مهمة كوفي أنان على طريقة تحضير الأرواح، ولم يقترب الحل بوصة واحدة. كل يوم كان دمار سوريا يرتفع وخرابها يعمّ وأنينها (دون شكوى) يملأ الارض. "سوريا الاسد" صارت سوريا النازحين بعشرات الآلاف.
قبل درعا كان قد جرى أمر أكثر عمقاً وأهمية: فعندما اعتدت الشرطة بالضرب، كالعادة، على أحد الشبان في شارع دمشقي، لم يتفرق رفاقه ولم يتظاهروا بأنهم ما رأوا وما سمعوا، بل خرجوا يهتفون "الشعب السوري ما بينذلّ". كان النظام منهمكاً في التنصت على ما تقوله وتعدّه "المؤامرة الكونية".
ثمة من خدع النظام السوري، أو من شجعه على التمادي في خداع نفسه. لم يجرؤ أحد على تذكير بشار الأسد بقوله "إن جوهر القضية هو عدم الافتراق" عن مشاعر الناس ومطالبها. لكن جوهر القضية الآخر أيضاً كان ألا يرمي بكل صداقاته الدولية، وألا يترك سفيره لدى الجامعة العربية يواجه الاجماع العربي بالسباب والشتم.
من أجل مَن بدّد صداقات تركيا وقطر وفرنسا وترك لوليد المعلم منفرداً شطب أوروبا عن الخريطة؟ تحالف حافظ الأسد طويلاً مع السوفيات، لكنه لم يراهن عليهم. وبعدما قبل عبدالناصر نصائحهم عام 1967 رفض هو نصائح أليكسي كوسيغين عام 1975. لعب دائماً ورقتين، الثانية ورقة خط الرجعة، أو حتى التراجع. بين عداء تركيا وصداقة عبدالله أوج ألان، تخلّى عن أوج ألان في ليلة غير مقمرة، وتركه يفرّ الى مصيره في نيروبي حيث صفده الأتراك. الروسي الاتحادي مثل الاتحادي السوفياتي، لا علاقة له بالديبلوماسيات في المراحل البالغة الحرج. هو كائن أمني، والأمن تعوزه دائماً سعة الرؤيا وسعة الصدر. وغالباً لا يُفلّ الأمن إلا بالأمن. أربعة من أقوى حراس النظام قضوا في اختراق لا يصدق ولا تفسير له.
قبل أن يصير مقر قيادة الأمن القومي، كان هذا منزل عبدالحميد السراج، أول من أعطى سوريا المعاصرة رمزية الرعب وثقافة العذاب والسجون. ولكن منذ أيام السراج، الذي "حكم" سوريا وهو في الخامسة والثلاثين، لم تكن سوريا في حاجة الى أمن. كانت في حاجة الى طمأنينة وتنمية وكفاية. ولم تكن في حاجة الى شهادات في عروبتها، فهي النبع والرمز. فحتى في هزائمها العسكرية خرجت هي المنتصرة قومياً. بدأت سمعة عبدالحميد السراج انه ضابط ناضل في فلسطين، وانتهت بأنه رجل لا يرحم الناس، رفاقا،ً اصدقاء، أو خصوما. يراهم متآمرين في النهار وأشباحاً في الليل.
إذا كان الأميركي خصماً معظم الأحيان، وصديقاً لا يُعتمد في أكثرها، فالروسي صديق دائم وأخرق دائماً كذلك. لماذا لم يقل سيرغي لافروف لوليد المعلم قبل أشهر طويلة إن الممانعة ضد إسرائيل غير العناد ضد الشعب السوري، أياً كانت نسبة المؤيدين أو المعارضين؟ ولماذا لم يشرح له أن المنطقة العربية تمر في عاصفة وليس في سحابة؟
المرة الأولى ترددت كلمة ربيع بالعربية كانت مع وصول بشار الأسد الى الحكم. لم يطلبوا الحرية من سواه، بل منه. لم يريدوا لسوريا نظاماً آخر بل نظاماً، إذا واجهته حادثة عابرة مثل أطفال درعا، يعاملها كحدث عابر. يربت على أكتاف المراهقين ويقول لهم هذا بلدكم، لا تعبثوا بأمنه. فإذا هاجسه الأمني يحوّل سوريا الى خراب ودمار ونزوح بلا حدود.
سلّم حافظ الأسد الحكم من دون دماء اأ خراب. ذهبتُ الى دمشق يومها لتقديم العزاء فوجدت مدينة ترفع لافتات كتبت بخط واحد ولون أسود واحد، ولكن لم يكن ثمة قلق في عاصمة الشام. كان هناك تسليم بمشيئة الله وقبول بإرادة المورِّث. وشعرت ان القبول داخلي وعربي وعالمي. لم يكن أحد يريد سوريا "مضطربة" لأن ذلك لم يكن في مصلحة أحد. لكن الجميع أيضاً كانوا يأملون، في داخلهم، أن يحمل الشاب العائد من بريطانيا شيئاً من روح العصر وأحكامه الى البلاد. أن يحفظ إرث الممانعة، ولكن مع الكثير من التنمية والتطور والوظائف والتصنيع.
وماذا في طرطوس الآن؟
روسي يقلّد السوفيات بدل أن يقلّد روسيا الجديدة. وفيها بحارة روس لا يخرجون الى الشوارع، تماماً مثل البحارة السوفيات في الاسكندرية. الروسي في حال تأهّب للجلاء لا للدعم. وبدل أن يقدّم فلاديمير بوتين السلاح لمساعدة النظام، كان يفترض أن يقدّم له نسخة عن الاصلاحات التي قام بها. ذلك هو "جوهر القضية"، أولاً وأخيراً.