قد يكون آخر ما يمكن افتراضه في مخالفة أي سفير الأصول الديبلوماسية ولياقاتها وتقاليدها انه يجهل هذه الأصول أو لا يحفظها عن ظهر قلب. فكيف حين يكون هذا السفير هو أول سفير لبلاده في لبنان على غرار السفير السوري علي عبد الكريم علي الذي تولى عن نظامه عبء الرد المباشر على رئيس الجمهورية ميشال سليمان، ومن بيروت بالتحديد؟
لن نستفيض في استعادة كل ما أثاره رد السفير على الرئيس سليمان، ولا حتى في استثارة ما يتوجب على الحكومة ووزارة الخارجية أن تقوما به، وهما ايضاً العالمتين أكثر من سائر المعارضين والسياديين والحريصين على كرامة الرئاسة ولبنان بما يتعين عليهما أن تقوما به، لأننا ندرك سلفاً عقم هذه الاستثارة وعدم جدواها. لكننا نتساءل، وهنا بيت القصيد، هل كان السفير السوري ليسارع بعد ساعات قليلة من اعلان موقف رئيس الجمهورية من الرد عليه إعلامياً وجهراً لولا شعوره أو "اطمئنانه" سلفاً الى أن ثمة من يتكئ عليه في الداخل الرسمي والسلطوي كما في الداخل السياسي اللبناني؟ بل ان الأبعد من هذا التساؤل هو أن رد السفير السوري بدا في طويته ومضمونه كأنه يحاكي تماماً مواقف قوى سياسية تقيم على ادارة السلطة وسبق لها مرات ان اتهمت بعض لبنان، بتعميم غريب وازدواجية أغرب، بأنه متورط في الأزمة السورية. هذه القوى لم تنبس ببنت شفة لا حيال موقف رئيس الجمهورية ولا حيال تجرؤ السفير على الرد عليه. وبدت من دون أي جدل الى جانب السفير وليس في موقع المؤازر الطبيعي البديهي لخطوة سيادية تسجل لرئيس الجمهورية.
مفاد ذلك بكل وضوح ان معيار السيادة لدى هذه القوى لم يختلف اطلاقاً في زمن لبناني يفترض أنه سيادي ما دام لبنان تحرر من احتلال اسرائيلي ووصاية سورية. وحتى مع رفض المساواة دائماً بين اسرائيل وسوريا، وعلى رغم كل شيء لأن المعيار المبدئي لا يخضع لاستنساب أو تلوين أو تغيير، ترانا أمام سلوكيات ومفاهيم سياسية يخشى أنها ترقى الى مستوى ثقافة تؤثر ترجيح الارتباطات الخارجية على أي نهوض لمنطق الدولة.
أما الطامة الكبرى فهي في صمت مريب لدى تلك القوى على بعض من أبعاد أخطر من تجاوز السفير للأصول، وهو الصمت أو "تجاهل العارف" أو حتى ربما التسويغ والاجازة الضمنية للتوغلات السورية والانتهاكات المتكررة للحدود كأنها تعني عالماً آخر وبلداً "مختلفاً". ومفاد ذلك انه حين يكون ثلثا السلطة، على الأقل، إذا سلمنا جدلاً بالتصنيف الشكلي القائم، متغاضياً أو حتى منحازاً لنمط الانتهاكات السورية ومسوغاً لها، فإن أقل ما يوحيه الصمت عن مخالفة السفير وتجاوزه للأصول هو ان هذا "الداخل" اللبناني السلطوي والسياسي لا يقول لمواطنيه أقل من أن ظهر السفير محمي من داخل يبدو "سعيداً" بل مبتهجاً لاستيراد الأزمة السورية. وإذا كان لدى هذا الداخل ما يسفه به هذه الهواجس، فأقرب الطرق وأقصرها هو مجلس وزراء يرقى الى مستوى كرامة البلاد وسيادتها.