أوّل كتاب احتجاج رسمي وجهه رئيس الجمهورية ميشال سليمان الى النظام السوري عبر ممثله في لبنان علي عبد الكريم علي من خلال وزير الخارجية عدنان منصور. هكذا عبّر الرئيس عن استيائه من استمرار اعتداءات قوات الأسد وتمدّدها بحراً بعد البر، نيابة عن كل اللبنانيين الذين طفح كيلهم من حكومتهم الصامتة. وطلب الرئيس أيضا من "قيادة الجيش والاجهزة المعنية التنسيق في التحقيقات المؤدية الى منع تكرار مثل هذه الخروقات بشكل نهائي".
هل وصل الكتاب؟ السفير السوري يقول إنه لم يتسلّم "أي شيء من الجانب اللبناني". ربما لم تصل الرسالة رسميا من الوزير الى السفير، إلا أن مجرّد حديث السفير عنها في الإعلام يعني أنها وصلت بطريقة غير مباشرة. هل كلامه صادق؟ المصدر الوحيد الموثوق به بين الرئيس والوزير والسفير هو الرئيس طبعا، فالطرفان الآخران يصبان في الخانة نفسها خدمة للنظام السوري.
أمر مستغرب؟ مؤكد لا، لأن الحليفين لن ينقلبا في يوم وليلة. فقد وضع رئيس الجمهورية الوزير اللبناني في موقف لا يُحسد عليه أمام السفير السوري، ولا بدّ ان اللقاء المباشر بينهما سيحرجه ويتناقض مع قناعاته النائية بنفسها. فهما حليفا نظام ورفيقا سلاح، ولن يكون تبليغ رسالة احتجاج سهلا، لكن القانون يرغم الوزير في الوقت عينه على تبليغ رسالة الرئيس. للصبر حدود وللتراكمات والخروقات السورية نهاية يسطّرها رئيس الجمهورية في موقفه الشجاع والمشرّف. ولا بدّ من أن الرئيس استبق الوزير وأعلن عن احتجاجه في الإعلام علما منه بأن الرسالة لن تصل بالطريقة الديبلوماسية الرسمية المفترضة، والدليل أن الوزير ردّ على الرسالة قائلا "سنقوم كوزارة بما يتوجّب علينا".
غير أن السفير السوري لم يعتد على مثل هذه المواقف، هو الذي طالما التزم مع حليفه الوزير اللبناني سياسة النأي بالنفس، والسكوت عن قتل الإبرياء من الشعبين اللبناني والسوري. فالسفير "ضربنا وبكى وسبقنا واشتكى.. ومتهما اللبنانيين بقتل شهداء من الجانب السوري معتبرا أن "الخروقات الحاصلة من الجانب اللبناني تسيء إلى العلاقات الأخوية اللبنانية السورية". فقد غاب عن كل من الوزير والسفير أن العلاقات الديبلوماسية المزيّفة التي يلوّثها القتل والإنتهاكات تلغي العلاقات الأخوية مع نظام مجرم، ما يملي على الوزير الإنتقال الى مرحلة الضمير وأن يعلم أنه "ما على الوزير إلا البلاغ".
قانونيا، لا يحقّ للوزير عدم تبليغ الرسالة، لأنه مرغم على تبليغ التعليمات مهما كان حجمها الى السفير ومن المفترض أن يردّ الأخير بالطريقة التي بُلّغ بها وبالعودة الى الدولة الأخرى أي النظام السوري. ولا بدّ من الإشارة الى أن رئيس الجمهورية سيطلق خلال مأدبة الإفطار التي يقيمها مساء اليوم في قصر بعبدا مواقف صريحة وواضحة من التطورات السياسية والأمنية في البلاد ومن المفترض أن تتضمن كلمته رسائل الى الداخل والخارج، على أمل أن تصل رسائل الرئيس ومعه اللبنانيين المظلومين الى كل المعنيين.
سياسيا، أعرب مستشار حزب "القوات اللبنانية" العميد المتقاعد وهبة قاطيشا عن عدم استغرابه من تصرف وزير الخارجية عدنان منصور قائلا "الوزير ليس وزير خارجيتنا بل هو موجود في لبنان لصالح النظام السوري. لذا فإن تمنّي رئيس الجمهورية منه تبليغ كتاب احتجاج الى السفير السوري علي عبد الكريم علي يبدو وكأن الوزير يبلّغ كتابا الى نفسه للوم ذاته". وخلُص الى أن "الوزير يتقاعس ويحاول إيجاد طريقة لتبليغه رسالة الرئيس، فربما يكون التبليغ هاتفيا".
وعلّق قاطيشا على تصرفات الوزير منصور "الدول التي تتحلّى بالكرامة وتسعى الى المحافظة على كرامة شعبها لا تقبل بما يدور على الحدود اللبنانية-السورية"، ووصف السفير السوري بـ "والي عين المريسة" معلّقا "اللبنانيون يُقتلون وأرضهم تنتهك من قبل جيش غريب يقصف ويقتل الأبرياء بينما لا يعجز اللبنانيون عن إيصال رسالة الى "والي عين المريسة" بل يبقى الوزير مصرّا على النأي بالنفس والمواطنون يُقتلون في منازلهم". وأضاف "فليحموا حدودها لأننا لسنا حرسا على الحدود".
وعما إذا كان احتجاج الرئيس سيوصل بحسب الوقائع والتطورات الى طلب استبعاد السفير السوري أجاب قاطيشا "إذا كثُرت الأحداث وتعاظمت وبقي السفير السوري مصرا على التصرّف وكأنه والي الشام في لبنان، حيث لا يحق له أن يردّ على رئيس الجمهورية بالطريقة التي اعتمدها.. لذا فإن تكررت القصة نفسها فإن كرامة رئيس الجمهورية من كرامة اللبنانيين ولن يسكت بل سيتصرف كما فعل بالأمس كمبادرة أولى بإرسال احتجاج عبر وزير الخارجية".
وشرح قاطيشا بأن "التراكمات ستحمل الرئيس على اتخاذ مواقف أكثر تشددا، خصوصا وأن القذائف تدمر البيوت وتقتل اللبنانيين وخروقات جيش النظام السوري مرة بعد مرة للأراضي اللبنانية لا بدّ أن تفقد اللبنانيين صبرهم".
قانونيا، أوضح أستاذ القانون الدولي الدكتور شفيق المصري أن ما قام به رئيس الجمهورية "ليس أمرا أو موقفا عاديا، إنما هو طلب تبرير احتجاج من قبل رئيس الجمهورية الى الدولة السورية مع تمنّي بعدم تكرار مثل هذا الخرق الذي حصل". وأشار الى أنه من المفترض "أن يبلّغ وزير الخارجية السفير السوري". وتابع "ما حصل أن الأخير استخدم الإعلام ليعلن عن تصريحه من دون أن يردّ برسالة رسمية من قبل رئيس الدولة السورية".
ويشرح المصري أن عبارة "سنقوم كوزارة بما يتوجب علينا" التي علّق من خلالها الوزير منصور في الإعلام على كتاب الإحتجاج تعني "أن دور وزارة الخارجية هو تبليغ الرسائل والتعليمات." وهل يحقّ للوزير عدم تبليغ الرسالة؟ يؤكد المصري "لا، لا يحق له أبدا. إنه طلب من رئيس الجمهورية للوزير".
هل الأخذ والردّ عبر الإعلام هو تهرّب من اللقاء المباشر؟ يوضح "عادة من المفترض أن يستدعي وزير الخارجية السفير السوري الى وزارة الخارجية ليبلغه الرسالة." وشرح "أن الرسالة أعلن عنها في الإعلام، ومطلوب منه كوزير خارجية أن يبلّغ التعليمات التي تلقاها من رئيس الجمهورية الى ممثل الدولة الأخرى".
ورأى المصري أن "مضمون الرسالة يشير الى أن وزارة الخارجية ملزمة بتبليغها الى ممثل الدولة السورية الموجود في لبنان وهو السفير السوري وأن يتوقّع جوابا رسميا عليها من خلال السفير ذاته وبالطرق الديبلوماسية المفروضة." أما طريقة التبليغ فهي على أشكال عديدة "يمكن أن يتصل به هاتفيا، ويمكن أن ينقلها بواسطة رسول.. لكن في كل الأحوال، تحتم طريقة التبليغ الجواب على المستوى ذاته. فإذا بلّغ الوزير رسالة الرئيس الى السفير عبر الإعلام، وردّ الأخير عبر الإعلام أيضا فلا يمكننا أن نلومه، أما إذا بلّغت ديبلوماسيا فمن المفترض توقّع الجواب ديبلوماسيا".