#dfp #adsense

وزير “النأي” وسفير “النعي”

حجم الخط

من المؤسف أن يرى اللبنانيون مشهد العلاقة بين السفير السوري ووزير خارجيتهم التي هي علاقة "تابع ومتبوع"، حيث أن السفير السوري يتعالى، ويظهر كأنّه يأمر الخارجية اللبنانية ويفرض عليها مواقفها.
"ضربني وبكى سبقني وإشتكى"، هكذا يفعل السفير السوري في لبنان علي عبد الكريم علي الذي يزور بعد كل عملية اعتداء على الحدود اللبنانية وزير الخارجية عدنان منصور للشكوى، فيبادر منصور الى الاستماع اليه والأخذ بوجهة نظره، متناسياً الدماء اللبنانية التي تسقط على الحدود.

العلاقة بين منصور وعلي تشبه الفرقة الموسيقية، أحدهم يُطبّل والآخر يزمّر، وهي أقرب الى الفكاهة، فالسفير علي رجل أخذ نمط التصرّف من نظامه، ويستعمل طريقة التذاكي التي يستعملها نظامه، يأتي الى الخارجية، يستقبله الوزير منصور، يدخلان الى الاجتماع بعد أن يأخذ الإعلام الصورة، وبعد تناول القهوة البرازيلية وهنا التشديد على القهوة البرازيلية لأنها من دول "البراكس" التي يراهن عليها النظام الأسدي لإسقاط الإمبريالية الأميركية، يخرج السفير السوري الى الإعلام متحدّثاً عن أنّ اللقاء جيد، وعن الحرب الكونيّة التي تشنّ على سوريا، لأنّ "كتائب الأسد" تواجه الجيش الألماني والإيطالي والتركي في الحرب العالمية الأولى، وهي طبعاً لا تواجه الجيش الأميركي لأنه لم يتخذ بعد قراره بالمشاركة الى جانبها في الحرب، وبعد الحرب الكونية ينتقل الى اتهام اللبنانيين بخربطة أمن سوريا والتسبب باستمرار الحرب داخلها، وفي هذا الكلام يضم لبنان الى دول المحور المشاركة في الحرب.

والموقف البارز من سفير النظام السوري، استغرابه مبادرة رئيس الجمهورية ميشال سليمان الى توجيه كتاب احتجاج على الخروق السورية، وكأن السفير يأخذ دور الوالي، ويخرق الأصول الديبلوماسية للرد على رأس هرم الدولة اللبنانية وحامي دستورها وسيادتها، ويظهر بمظهر الآمر والناهي، لا يحب هذا التصرف، ينبّه من الحركة التي تحصل في منطقة معينة، يوجه الرسائل الى الأفرقاء اللبنانيين، ويتهم أجهزة معينة بالتورط في أحداث سوريا، وكل هذا يحصل في ظل رهبة وزير الخارجية منه، ولو كان هذا السفير في بلد يحترم ذاته لكانت استدعته الخارجية ووجهت تنبيهاً شديد اللهجة له، إذا لم يصل الى طرده من الأراضي اللبنانية.

لكن للأسف، وزارة الخارجية تدور في فلك النظام السوري الباطل، تنتظر رئيس الجمهورية ليقول لها ماذا ستفعل، وتفعل على طريقتها، ولا تحرّك نخوتها لمحاسبة سفير تخطّى حدوده وتطاول معنوياً على رئيس الجمهورية.
لم يبقَ أمام علي سوى الإشراف على تنظيم السير في لبنان، فهو تخطّى كل الخطوط الحمراء واستفزّ اللبنانيين بتصريحاته من على منبر الخارجية، وبات اللبنانيون ينتظرونه ليقيّموا ارتفاع أو انخفاض مستوى إهانته لهم في مواقفه، فهم إن سكتوا على مواقفه السابقة، فلا يمكنهم صرف النظر عن إعتراضه على احتجاج سليمان.

يعيش علي عقدة عنجر، ويحلم بإحياء فكرة القبضة السورية الاستخباراتية على لبنان، ووصلت به الوقاحة الى اعتبار ان "على سوريا الاحتجاج لأنها تتعرض، للرشقات النارية والصاروخية من الجانب اللبناني"، وكأنه "ليست الشمس طالعة والناس قاشعة"، فالشهداء الذين يسقطون جميعهم لبنانيون، والقذائف التي تسقط هي من الجانب السوري وليست من الجانب اللبناني، وخرق السيادة تنفذه "كتائب الأسد" ولم نرَ الجيش اللبناني تعدّى على السيادة السورية وقتل مواطنيين وشرّدهم وأحرق ودمّر البيوت.

يظن السفير السوري نفسه أنه والي الشام الجديد الذي يحكم لبنان، وصلاحيته تمتدّ على كافة الأراضي وتشمل كل شيء، كيف لا وقد توافد إليه قسم من الشخصيات السياسية اللبنانية الموالية لنظامه لتقديم التعزية برفاق السلاح الذين قتلوا الجيش اللبناني في حرب التحرير ومارسوا الجرائم بحق كل اللبنانيين على مدى ثلاثين عاماً، وقتلوا خلال الثورة السورية حوالى 20 ألف شهيد سوري، وهؤلاء السياسيين اللبنانيين يقدمون الطاعة العمياء لوالي دمشق الكبير ويقولون إنه غداً ستنتهي الثورة وسيكون الرئيس السوري بشار الأسد صلاح الدين الأيوبي الجديد الذي سينهي إسرائيل من الوجود.

كل هذا الكلام لم يعد ينفع لأن لعبة النظام السوري انكشفت وأصبح في وضع لا يُحسد عليه، وسط تفلّت القوى التي كانت تدور في فلكه من قبضته، وحركة "حماس" أكبر دليل، على أمل أن تخرج بعض الشخصيات التي تشغل مراكز سياسية وديبلوماسية من قبضته.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل