#dfp #adsense

من مؤشّرات سقوط الأسد إستعادة الرئاسة الأولى دورها

حجم الخط

في الوقت الذي لا يمكن فيه تجاهل موقف رئيس الجمهورية الاحتجاجي على الانتهاكات السورية الحدودية المتكرّرة، لا يفترض في المقابل إعطاء هذا الموقف أكثر ممّا يستحق باعتباره من أبسط مسؤوليّات رئيس البلاد في "المحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه" وفق ما جاء في المادة 49 من الدستور.

فالقاعدة هي أن تكون الرئاسة الأولى في طليعة المدافعين عن السيادة الوطنية، أمّا الاستثناء فهو الدور الذي لعبته منذ اغتيال السوريّين للرئيس رينيه معوّض، وهذا بالتحديد ما جعلها طيلة حقبة الجمهورية الأولى محطّ استهداف متواصل بغية ضربها وكسرها وإضعافها ولَيّ ذراعها تمهيداً لوضع السوريّين يدهم على البلد.

فأهمّية رئاسة الجمهورية تاريخيّاً لم تكن يوماً بالصلاحيات المعطاة لها والتي لم تستخدم بفعل التوازنات الطائفية، بل أهمّيتها كانت دوماً في رمزيتها وتجسيدها للعنفوان اللبناني السيادي والاستقلالي. ولا يحتاج المرء إلى الكثير من الجهد لمعرفة أسباب الحروب التي شُنّت على المسيحيّين، لأنّه باعتقاد السوريّين كان يكفي كسر شوكة المسيحيّين لاستباحة البلد والهيمنة عليه وضمّه إلى سوريا.

وما انطبق على المسيحيّين قبل العام 1990 انسحب على السنّة بعد العام 2005، إذ إنّ أكثر ما أزعج السوريّين تحوّل السنّة إلى رأس حربة في الدفاع عن السيادة الوطنية، الأمر الذي جعل رئاسة الحكومة في مرمى الهدف السوري تماماً على غرار ما كانت عليه الرئاسة الأولى قبل العام 1990، وبدأ الشغل الشاغل لمنظومة الشر الممانعة يتركّز على كيفية إعادة الرئاسة الثالثة إلى بيت الطاعة السوري، وهذا ما يفسّر الحرب الشعواء على حكومتي فؤاد السنيورة وحكومة سعد الحريري وصولاً إلى إسقاط الحالة السنّية

اللبنانية من رئاسة الحكومة تحت عنوان إخضاع أهل السنّة وإفهام القاصي والداني أنّ جسر العبور إلى الرئاسة الثالثة يتمّ عبر خط دمشق-الضاحية.

فوضع اليد على الرئاسات الثلاث والمؤسّسات الدستورية سياسة بعثية قديمة انطلاقاً من قناعة سوريّة راسخة أنّه يستحيل الإمساك بمفاصل البلد بواسطة 40 ألف جندي سوري فقط، فيما يقتضي توظيف الاحتلال العسكري لسورنة المؤسّسات بغية إدامة الهيمنة السورية السياسية على القرار اللبناني.

إنّ لبنان سيكون أكثر المستفيدين من سقوط النظام السوري، لأنّ كلّ ويلاته متأتّية من هذا النظام، ويخطئ كلّ من يوازن بين نظام الأسد و"حزب الله"، بمعنى أنّ لبنان لن يتأثر بسقوطه بفعل وجود الحزب الذي يشكّل استمراراً للحالة السورية، وهذا الخطأ مردّه إلى أنّ الحزب مجرّد تفصيل صغير في المشهد السياسي العام، وكلّ حجمه نابع من دوره الإقليمي الذي ينتفي مع انتفاء النظام السوري، وهو سيتحوّل إلى مجرّد لاعب داخلي صغير يشكّل عبئاً على طائفته قبل البلد وأهله.

يسجّل للرئيس سليمان أنّه منذ بداية الربيع العربي أعلن تأييده للثورات العربية واعتبر أنّ لبنان سيكون أكثر المستفيدين من انتشار الديموقراطية في العالم العربي، ونجح في المزاوجة بين الإبقاء على علاقة بروتوكولية مع النظام السوري دفعته إلى الاتصال مؤخّراً بالأسد لتعزيته بأركانه، وبين طلبه من وزير الخارجية تسليم السفير السوري لدى لبنان كتاب احتجاج على الخروق السورية الحدودية، هذا الطلب المستجدّ الذي يؤشّر إلى قرب نهاية النظام السوري، وهذا ما دفع سليمان عمليّاً إلى التخلّي عن أيّ تحفّظ أو غضّ نظر خلافاً للدور الذي مارسه منذ اندلاع الثورة السورية، لأنّ الانتهاك الأخير هو الأوّل بعد المئة انتهاك التي سبقت هذا التوغّل السوري، وبالتالي كان يفترض موضوعيّاً التعبير عن هذا الاستياء منذ الانتهاك الأوّل.

ولعلّ أهمّية موقف سليمان أيضاً أنّه رفع الغطاء عن الحكومة الميقاتية التي كشفها على حقيقتها بأنّها حكومة سوريّة المنشأ، ودورها يقتصر على توفير الغطاء للاختراقات السوريّة والاغتيالات السياسية وتجديد الحرب الأهلية، وبالتالي أعطى إشارة مباشرة إلى المعارضة بضرورة التمييز بين مكوّني السلطة وعدم دمجهما ببعضهما بعضا، وأخرى غير مباشرة لناحية استعداده للبحث بحكومة بديلة تشكّل مظلّة أمان للبلد في الوقت المناسب.

كما أنّ اللافت غياب الردود على سليمان من الجوقة السوريّة أو اقتصارها على حلقة ضيّقة جداً، الأمر الذي يؤشّر إلى أنّ كلّ الأطراف بدأت تجري حساباتها منذ الآن لمرحلة ما بعد سقوط النظام الأسدي.

ويبقى أخيراً أنّ من مؤشّرات سقوط الأسد استعادة الرئاسة الأولى دورها، هذا الدور الذي ستكتمل فصوله تباعاً ويعود إلى سابق عهده بعد نهاية الحقبة البعثية التي كادت تقضي على دور المسيحيين الريادي والطليعي بتحويلهم إلى أقلّية مذعورة تبحث عن حماية مشبوهة على حساب حرّيتها، هذه الحرّية التي شكّلت ميزة المسيحيّين وجعلت من لبنان بلداً مميّزاً عن محيطه الذي أبى إلّا أن يحذو حذو لبنان بإطلاق ثورة ديموقراطية هادفة إلى ترسيخ الحرّية والتعدّدية.

تأسيساً على ما تقدّم، إنّ أهمّية الاستحقاق الرئاسي المقبل أنّ سوريا لم تعد ناخباً رئيسيّاً ولا أحاديّاً في هذا الاستحقاق، فلقد انتهى التأثير السوري، غير المأسوف عليه، إلى غير رجعة، فيما "حزب الله" ليس سوى ناخب ثانويّ، والكلمة الفصل في الانتخابات الرئاسيّة المقبلة هي للقوى السيادية على قاعدة "لبنان أوّلاً".

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل