حتى روسيا أظهرت بوادر هلع من احتمال ذهاب جنون سلطة الأسد إلى حدّ استخدام الأسلحة الكيماوية والجرثومية. وهي التي تعرف أكثر من غيرها حجم الترسانة الموجودة وتفاصيلها وقدراتها، لكنها تعرف أكثر أنّ مجرّد طرح هذه الورقة يدلّ على مدى اليأس الذي أصاب تلك السلطة من إمكان وقف قطار التغيير قبل وصوله إليها.
.. وتعرف موسكو أكثر من غيرها، أنّ تشبُّه السلطة الأسدية بما فعله صدام حسين لا يعني في المحصّلة الأخيرة إلاّ نهاية مشابهة لنهاية الديكتاتور العراقي الراحل.. تختلف التفاصيل لكن النتيجة واحدة: اللعب بأسلحة الدمار الشامل من قِبَل أنظمة ديكتاتورية، لا تحتمله أي دولة على هذه الأرض. ولا يخضع أساساً لقانون النزاع المألوف على كسب مراكز النفوذ والحفاظ على المصالح الاستراتيجية الكبرى في هذه النقطة أو تلك.. هو لعب أكبر من نطاق الحسابات الخاصة بأصحابه وبمصائرهم وبتوجهاتهم الانتحارية. بل هو شأن "عام" جداً، وإلى حدود تلغي التمايزات والخطوط الفاصلة بين مراكز صنع القرار الاستراتيجي في هذا العالم.
لكن التلويح بتلك الاسلحة، وإن كان المقصود منه جرّ المنطقة إلى نزاع شامل من خلال استدراج الإسرائيليين وغيرهم إليه (؟!) يدلّ في الأساس إلى أنّ التركيبة الحاكمة في دمشق تيقّنت فعلياً من انسداد الأفق في وجهها وانغلاق السبل أمام خروجها سالمة أو شبه ذلك، من الأزمة الوجودية التي تتهدّدها.
تفجير "مكتب الأمن القومي"، كان تتويجاً لتلك الدلائل. وأي تتويج؟ مَن تمكّن من ضرب عصب الجسم السلطوي في نقطته المركزية، يستطيع أن يستمر في هجومه المضادّ إلى حدّ شلّ القدرة النارية التي لا تزال السلطة تتمتّع بها. ومنطق الأمور في هذه السالفة لا يتغيّر ولا يتزحزح: لا تقدر سلطة أيّاً كان حجم قواتها وقدراتها على التعامل الحاسم مع ثورة مدنية شاملة، جزء منها يتحوّل إلى ذراع عسكرية متفلّتة. تُضرب في نقطة فتظهر في أخرى، وتُلوى في مدينة فتستقيم في مدينة أخرى. امبراطوريات كبرى هزّتها تلك المواجهات الاستنزافية. من الولايات المتحدة في فيتنام إلى الاتحاد السوفياتي (المرحوم) في أفغانستان، إلى إسرائيل في لبنان وجنوبه. ولا شكّ في انّ السوريين الأحرار ينظرون إلى جيش الأسد وشبّيحته على أنّهم جيش احتلال ويتعاملون معه تماماً مثلما تعاملت الشعوب مع محتلّيها أيّاً كانت هويّتهم!
مؤشرات الهستيريا في أداء السلطة الأسدية بعد تفجير دمشق زادت عن منسوبها "العادي" وربطت بين التلويح بالأسلحة الكيماوية وإعادة تظهير رستم غزالة!… من الطبيعي أن تُصاب موسكو بالهلع؟.