#adsense

مسيحيّو الشرق… رسالتنا

حجم الخط

كتب روي بدارو في صحيفة "النهار":

إن ما يحدث اليوم في سوريا، خارج عن أي منطق وعقل. صحيح أن الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، نهب خيرات بلاده، إلاّ انه كان حكيماً، اذ انه فر من دون التسبب بحروب أهلية داخلية. أما النظام السوري، فلا يزال مستمراً في سياسته التمييزية ضد الطوائف الدينية والجماعات العرقية. ومن المؤسف أن البعض لا يزال يعتبره حامي الأقليات في المنطقة، فيما نعلم جيداً انه لعب باتقان دور رجل الاطفاء منذ تولي الأسد الأب السلطة، وبداية التدخل في لبنان عام 1976.

عانى مسيحيو العراق من تنظيم "القاعدة"، الذي كانت بعض أجنحته تحت وصاية الاستخبارات السورية ونفوذها. ومما لا شك فيه، ان هذه الأخيرة كانت تدرب الارهابيين وتصدرهم الى الداخل العراقي لاستخدامهم في تفجير وقتل أكبر عدد ممكن من المسيحيين العراقيين، سعياً الى حض هؤلاء على الهجرة الى سوريا وايجاد توازن ديموغرافي مع الأغلبية السنية.

دفع المسيحيون في لبنان ثمناً باهظاً في مقاومتهم جحافل الاسد، لكن ذلك لم يمنع بزوغ فجر الحرية والديموقراطية ولو بعد سنوات طويلة. ان سلاح "حزب الله" لا بد من احتوائه باعادة توازن جديدة للقوى الخارجية، تنعكس على الساحة الداخلية اللبنانية لاحقاً. سيفقد السلاح ذريعة وجوده.

من واجبنا كمسيحيين، أن نعمل على مساعدة أخواننا الشيعة في لبنان على الاندماج في مشروع الدولة، وتوفير الظروف لتمكينهم من الشعور بأنهم في وطنهم كي لا يعودوا في حاجة الى دعم ايران الفارسية. كما من واجبنا مساعدة السنة على الاعتماد على اخوانهم الشيعة والمسيحيين والدروز، وعدم البحث عن اي مساعدة خارجية او طلب دعم مالي عربي. هذه هي الطريقة الوحيدة التي تسمح لنا بأن نبلغ درجة متقدمة من التحرر السياسي وان نصبح مستقلين ومسؤولين عن خياراتنا.

بالتأكيد، ينبغي علينا أن نختار أياً من السياسات التي تتناسب مع وجه لبنان ورسالته، وتوفر السلام والاستقرار.

ان عدم الوضوح وسوء الفهم الناتج من عدم ترفيعنا الى مكانة لبنان السياسية والجيو – الاستراتيجية في المنطقة يبقيان المشكلة الأساس في فشلنا في بناء دولة عصرية على أسس متينة. وفي سبيل بناء هذه الدولة العتيدة، علينا أن ننخرط في حوار صادق ومعمق، وأن ننفذ خطوات جريئة في سياساتنا الوطنية، لا أن نختبئ وراء اعذار واهية او ان نتبع سياسة "النعامة". أقترح في هذا السياق، ومن اجل اندماج أكبر لاخواننا الشيعة، تعزيز الدور المؤسسي للحوزة الشيعية في جبل عامل من خلال تقديم الدعم السياسي والمعنوي والمالي لها لكي تصبح مدرسة للفكر والتجدد، ومنارة للشيعة على غرار "قم" و"مشهد"، خصوصاً ان ذلك ينسجم مع النسيج الاجتماعي والطائفي في لبنان الذي يمتاز بغناه الفريد ومساهمته الرائدة في الحداثة والتبادل. ان عملية التبادل بين حوزة النجف وحوزة جبل عامل العربيتين ستخفف حدة الخلافات من دون أدنى شك، وستساعد على ردم الهوة الناتجة من الفروق الثقافية بين الجماعات اللبنانية.

وفي الاطار عينه، من المجدي توجيه تحية تقدير الى اخواننا السنة، الذين عاشوا نقطة تحوّل تاريخية بعد سنوات من انكار بعضهم للكيان اللبناني. ان هؤلاء تخطوا مساراً تخلل حقبات عدة بدأت منذ عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي واستمرت حتى الخمسينيات، حين كانت الوحدة العربية بقيادة عبد الناصر الذي جسّد بديلاً للخلافة، الهدف الأساس الذين سعوا اليه. ولم تنته في أواخر السبعينيات مع تبنيهم منظمة التحرير الفلسطينية جيشاً بديلاً للسنة في لبنان، في حين كان الجيش اللبناني يعتبر جيش المسيحيين.

لقد ايقن السنة في لبنان ان المسيحي في لبنان هو أقرب إليهم من السني في سوريا او اي بلد عربي آخر، هذا التحول ناتج، في جزء كبير منه، من عمل رفيق الحريري الذي نجح في تغيير مفهوم الهوية عند ابناء طائفته. نحن مدينون لرفيق الحريري الذي نجح في ثني اكثرية الشارع السني عن فكرة الاندماج بكيان عربي أوسع، فأعطى الأولوية للانتماء الى الوطن بدلاً من الانتماء الى اي "أمة" افتراضية، او اي شكل من اشكال "الخلافة الاسلامية" الكامنة في اللاوعي عند البعض.

على السنة اليوم، مساعدة اخوانهم الشيعة في الافادة من تجربتهم الفريدة عبر الانخراط وإياهم في حوار بناء ومثمر، بدلاً من اللجوء الى التسلح سعياً وراء توازن عسكري لن تكون نتائجه الا كارثية على لبنان.

مهمتنا صعبة وشاقة غير ان رسالتنا كمسيحيين في الشرق تتطلب منا التضحية والتحلي بروح المسؤولية. لا نهدف الى تولي السلطة المطلقة في لبنان، وإنما المشاركة في تحمل الأعباء وجني الثمار. لذلك، سيكون علينا التقريب بين شرائح المجتمع، خصوصا اننا نعي ان ذلك أكثر إنتاجاً ومردودية على الصعيد الوطني.

المصدر:
النهار

خبر عاجل