
تعذبت لاجد كلمات البدايات. الموضوع دقيق. أن نكتب كلمات الاطراء أمر سهل، لكنه فارغ من المعاني العميقة. أن نكتب التجربة بقلم مناضلة لا تحب المجاملات، قد نقع في فخ التبجيل. أكره كل هذا والرجل أيضا لا يحبه. المسألة اني لا أكتب ما يحب أن يقرأه الرجل، انما أكتب ما يترجمه القلم من احساس صاف تجاه واقع صنعه انسان لنفسه، وان كان ذاك الواقع فُرض في مكان ما عليه. أتحدث عن سمير جعجع وذكرى اطلاقه.
السنة، نكتب الذكرى غير عن كل السنوات. السنة ورغم السواد الاعظم، ريح من حرية يلفح بقوة مواقع عبودية عاشت دهرا وظنت انها كل الدهور الآتية. نكتب الذكرى علما انها ليست ذكرى، ولا هي موضوع انشاء وردي العبارات، هي قصة قضية في رجل، ورجل لم يختصر القضية ليجيّرها لحسابه الشخصي، انما رجل جعل من رصيده الشخصي ذخيرة يغرف منها كل مناضل، عندما يشعر بوهن الانتماء.
لا نتحدث عن غريب، ولا عن رجل يعيش في الغيم، أو في حكايا بطولات وهمية ينسجها خيال انسان كلما ضاقت به سبل الحرية، نتحدث عن رجل من بيننا، فلاح ابن الارض مثلنا، هو رجل وليس الها ولا اسطورة، هو باختصار مقاوم. عندما اقتيد الى زنزانة الاحتلال، كان السجّان في عز السطوة، يأمر وينهي ويعتقل من يشاء ويقتل من يريد، وكان المعاونون في النشوة يغرفون من معجن الاحتلال، يطعموننا الخبز العفن اليابس، يأكلون من لحمنا، ودمنا كان الكأس، اما موتنا فكان الجائزة الكبرى. استمتعوا، استمتعوا طويلا وظنوا ان العمر وقف هناك عند خابية الدم المسفوك، والوطن المسفوك، والكرامة الميتة، لكن شاءت الحرية ان ترى ناسها تحت الشمس وليس تحت الارض، فأخرجته. 2672005، خرج السجين من أسر "الاسرى"، خرج من أعوام الاغلال ليأسر سجّانه الذي لم يفارقه أساسا وان ظن لوهلة انه حر.
لا أعرف لماذا يذكرني سمير جعجع بزعيمة المعارضة في ميانمار (بورما سابقا) أونغ سان سو تشي، التي أمضت نحو اربعة وعشرين عاما في الاقامة الجبرية، لانها قادت المعارضة ضد الحكم العسكري في بلادها، واطلقت العام 2010 ونالت جائزة نوبل للسلام. هذه امرأة استثنائية. ونحن نتكلم عن رجل، الرفاق يلقبونه بنيلسون مانديللا، ربما، لكن سو تشي امراة في صلابة رجل، لم تتراجع، لم تتهاون في مطلب الحرية والديمقراطية لشعبها وبلادها، كانت البندقية موجهة الى رأسها مباشرة اذا ما تخطت حدود المكان والكلام، لم تتخط المكان لان لا سلاح لديها لتقاوم جبهة، لكنها راحت بعيدا بعيدا في الكلام، وبالكلام تحررت.
في سجنه سمير جعجع قال لنا ما يجب أن يقال. من وحي الاشارات كنا نتصرّف، نقاوم، من دون سلاح، نذهب الى قداس الشهداء وصوره وصورهم مخبأة تحت القمصان، نوزع المناشير تحت الليل، نجتمع رغما عن جميل السيد وكل منظومة الاحتلال تلك، كنا نُغتال نُعتقل نُضرب نُعذب…ونبتسم، ندخل السجون لنشعر اننا منه قريبون، ليس بالمسافة وحسب، بل ببعض من حجم نضاله. كنا نعرف ان الوطن غال غال جدا، لكن بسجنه عرفنا ان الوطن هو نحن، هو تلك القطعة من القلب حين يتألم ولا يمكن ان نتلمّسه، ولا أن نشفيه بحبة دواء، هو ذاك الالم العميق الموجع غير الملموس، ألم عظيم لا يستكين الا في القبر أو في الحرية. سمير جعجع بأسره أخذنا الى حيث يجب أن نكون، الى حيث يليق بوطن مثل لبنان، الى الحرية.
عندما خرج ذاك الصباح شعرت بالغربة عنه! شعور غريب بالتأكيد، أكثر من ذلك، خفت منه! خشيت أن يكون المحرَر غير الاسير الذي عرفته، وأن تحول الحرية المستجدة المستحقّة من دون المناضل المتقشف الذي اعتنق "القوات" ووطنه. خفت كثيرا من وهج الشمس فوق الارض حين تلفح الجسم النحيل، الذي غيبته لاعوام، الطبقات الثلاث تحت الارض. بأنانية مطلقة ذهبت بعيدا بهواجسي. كنت أريده أن يبقى كما كان تحت الارض، القائد العنيد الصامد، لدرجة، وهذا اعتراف، اني فضّلت الف مرة أن يبقى أسيرا، على أن يخيب أملي والرفاق والقضية به، لأن لو حصل ذلك لكانت بداية النهاية الفعلية… ولما خرج، خاب أملي بنفسي، بثقتي الضعيفة بـ "رفيق"، لن أقول بقائد، لم يخشَ لحظة الاعتقال، لم يتأتىء حين نطق بالحق دفاعا عن نفسه تحت قوس عدالة كاذبة، لم يهلع من صوت سجّان وهو يجلد رفاقه في الغرف المجاورة، لم يبصم على أوراق الذل، لم يتراجع وهو داخل القضبان عن بث اشعاعات الامل ومواصلة النضال الى من هم خارج المكان وان كانوا معه يسكنون…ولما خرج دخل في معركة حرية أشرس وأصعب ولا يزال، والمفارقة ان من أدخلوه ذات يوم السجن، هم الان على أبواب سجن كبير لا مخارج له، سجن التاريخ والضمير وحكاية شعب، سطّرها سمير جعجع بالشعاع والكرامة، وسطَّروها هم بدمغة لا تمّحى، الذل ثم الذل ثم الذل.
لأني احب وطني أنا قوات لبنانية. شكرا سمير جعجع.
