تغزو الشاشات والميكروفونات في أيّامنا الموبوءة ألسنة وهيئات تطلق على ذواتها لقبا ذاهالة وقاريّة هو "الإعلامي". ولا يعلم هؤلاء أنّ للإعلام المحترف دورا رياديّا في المجتمعات الديمقراطيّة، هو تكوين الرأي العام بكل مندرجاته، ما يجعل الإعلام علما قائما بذاته من جهة، ويخوّله ممارسة "السلطة الرابعة" من جهة أخرى. كلّ ذلك للإضاءة على أمر مهمّ وخطير في آن، هو مسؤوليّة الإعلام في تمثيل الرأي العام وفي ترشيده. وبالواقع، لم يعد عمل الإعلامي محصورا بنقل الحوادث وإعداد التقارير ونشرها، بل تخطّى ذلك الى التفسير والتعليق والتحليل والنقد، وحتى اتّخاذ موقف وتبنّي وجهة نظر، ما قرّبه من دائرة الشكّ في المصداقيّة أحيانا كثيرة استنادا الى نظريّة نسبيّة الحقيقة وقيود التفكير الضيّق.
أمّا الضرر التشويهي الذي يطال سلامة عقول الناس، فيتأتّى عن استقبال الإعلاميّين أصحاب الشأن المتمرّسين أو الباحثين المتمكّنين أو الساسة "المثقّفين"، الذين يقسمون الناس الى معسكرين: من هم على صواب أي الذين يبصمون ويصفّقون ويهلّلون، ومن هم على خطأ أي الذين يعارضون ويرون رأيا آخر. أمّا قاعدة الصواب والخطأ، فيحدّدها المستضاف انطلاقا من قناعاته، ويثني عليها المضيف من دون موضوعيّة أو كياسة أو حياديّة، فيبدو الإثنان وكأنّ رذاذ موجات الديمقراطيّة لم يبلّل مخيّهما.
والأدهى يظهر في المديح المتبادل بين طرفي "الغزل". فيغدق كلّ واحد على الآخر سيلا من التقريظ، وينتج ألقابا تحدث دمارا شاملا في عقول من تصل الى مسامعهم، كالإعلاميّ الألمعي مثلا، أو صاحب الفكر الفذّ أو تحفة الخبراء أو الأسطورة. وهذه الألقاب بالجملة، الممنوحة بمرسوم موقّع ومختوم، والتي يتكسّبها الأعلاميّ المتسوّل أو ضيفه المتملّق، لا تثير سوى السخرية واستصغار "المتمادحين" ، كونها لا تأخذ بالإعتبار المعايير التي تحدّد صفة الشخص ومقامه الواقعي.
وآخر المبتكر في " صراع الألقاب"، ما أضفاه سياسيّ "بصّار" على واحد من معدّي البرامج ، فنعته بالألمعيّ. والألمعي هو الذكيّ الذي يتوقّد ذكاء، وهو الفطن وذو الفراسة. ربّما كان الإعلاميّ ذكيّا لأنّه انهال على ضيفه بالمدائح ووسائل الإستمالة، ما حفّزه على ردّ الجميل بالجميل. لكنّ الضّيف، ومن المؤكّد، كان غائبا عندما جمع الله مصنوعاته ليوزّع عليها الذكاء بالتساوي. فقد انطلى عليه مدح المناسبات، وأفقده التبجيل آلة الرشد، وانطلق لسانه، كما العادة، في تعداد حميد النعوت للإعلاميّ ومن يمثّل، وفي صبّ مكروه الصفات على خصوم المعظّمين أصحاب الكمال والجلال والوسيلة الإعلاميّة، فهؤلاء نعمة منّ بها الله على البشر، فيقتضي الإنتفاع بها لنيل الحظوة في الدنيا والآخرة.
إنّ الّلسان هو ترجمان العقل واستقامة القلب، إفلاسه يؤشّر لإفلاس الفكر والرويّة، وإسفافه يفضح آفات الخلق. من هنا كان الصمت، في الكثير من الأحيان، بابا من أبواب الجنّة.