#dfp #adsense

موسم النزوح السوري من الضاحية

حجم الخط

أسقطت الضاحية الجنوبية من يومياتها مشهد المئات من العمال السوريين الذين كانوا حتى فترة قريبة يشغلون حيزاً واسعاً من مظهرها العام، إذ يمكن لأي مراقب من خلال جولة عابرة على أحيائها وشوارعها الرئيسية والداخلية أن يلاحظ خلوها من الحضور العمالي السوري.

ففي الوقت الذي تنزح فيه أعداد كبيرة من المدنيين السوريين إلى كل المناطق اللبنانية بمختلف طوائفها وانتماءاتها السياسية بمعدل يفوق قدرة هذه المناطق وإمكانياتها المتواضعة على الاستيعاب، وتضع الأوساط الرسمية والمدنية والأهلية في لبنان كل مقدراتها لتقديم المساعدات الإنسانية والاجتماعية اللازمة لهم، تنأى الضاحية الجنوبية – رغم مقدراتها المختلفة – بنفسها عن هذا الحراك. في حرب تموز لاذت العائلات الشيعية التي نزحت عن مناطق الضاحية والجنوب إلى المدن السورية، واستقبلت بكثير من الحفاوة وحسن الضيافة، فتح المدنيون السوريون قلوبهم قبل أبوابهم لاستقبال أشقائهم اللبنانيين، رغم إمكاناتهم المادية المحدودة. كان شعار "وحدة المسار والمصير" حينها في أوج عزه ومجده، والدهر دولاب، انقلبت الآية وجارت الأيام والنظام على الشعب السوري، وجاء يوم رد الجميل وتسديد الحساب، لكن "البيئة الحاضنة" كما عقلها يبدو أنها محكومة بدورها بالضرورات السياسية، وبناء عليه تنكرت للجميل وأدارت ظهرها لحسن الصنيع. منذ شهور أضاءت الممثلة السورية الثائرة "فدوى سليمان" على هذه القضية، مذكرة نازحي الجنوب كيف استقبلهم الشعب السوري في حرب تموز، في محاولة لاستدرار عواطفهم وإيقاظ ضمائرهم، وبدل أن يشكل ذلك دفعاً نحو تغيير موقفهم من الثورة وأهلها، ازدادوا نكراناً بحق الشعب السوري في المطالبة بالحرية وبالغوا في التمسك بالنظام، وتركوا للمكتب الإعلامي للسيد حسن نصر الله الرد عليها، والذي لم يخجل حسب البيان الصادر عنه، من القول إن النظام هو من استقبل وساعد النازحين الشيعة وليس الشعب السوري. على أي حال ووفق ما تشير المعلومات يبدو اليوم أن النظام الحزبي في دويلة الضاحية وكذلك شعبها، قررا التنكيل بكل سوري يخطر في دائرة سيطرتهم، ولكل منهما أسراره وأسبابه في ذلك. "حزب الله" متوجس من أن تتحول الضاحية التي تؤوي آلاف السوريين إلى خلية منظمة، يمكنها في المستقبل أن تشكل خطراً على أمنه ووجوده وكذلك أمن الضاحية، ويدعي عالمون بأوضاع الضاحية الأمنية أن لدى العمال السوريين في الضاحية ارتباطات سياسية وأمنية وعسكرية بناشطين في المعارضة السورية يعيشون في بيروت، وكذلك قوى لبنانية داعمة للثورة السورية. ويؤكد هؤلاء العالمون أن فوضى السلاح المتفشية في الضاحية مكنت المعارضين السوريين من الحصول على أسلحة خفيفة بواريد ورصاص وقنابل يدوية وألغام، تورط في بيعها لهم أبناء مسؤولين كبار في "حزب الله"، وتجار معروفون من العائلات التقليدية الموجودة في الضاحية. الأهالي بدورهم يسوقون الأسباب ويفندون الأعذار لتبرير موقفهم المتحامل على الثورة السورية، وعدم ردهم المعروف بأحسن منه، ويعود ذلك لحجم التحشيد السياسي، وغسل الأدمغة الذي يخضعون له من قبل قيادات الحزب، حيث يختصرون معاني الثورة السورية بالفتنة المذهبية والمؤامرة الكونية على محور المقاومة. كما أن اختطاف الزوار اللبنانيين في حلب عمّق هذه القناعة. الضاحية الجنوبية التي كانت تعج سابقاً بأعداد كبيرة من العمال السوريين وعائلاتهم التي التحقت بهم على وقع الأزمة الأمنية المحتدمة منذ أكثر من سبعة عشر شهراً لاحقاً، وكانت حتى الأمس تشكل ملاذاً آمناً للسوريين الباحثين عن بعض الخبز وكثير الحرية، ومتنفساً للهاربين منهم من جحيم الفقر والعوز، يبدو أنها قررت اليوم الاقتصاص من الحضور السوري في أرجائها، في ما يدل على أنها تعمل على استكمال ما أخفق نظام الأسد في تحقيقه، أو ما لم يتمكن من القيام به داخلياً. ويتناقل سكان الضاحية الجنوبية أحاديث عن هجرة سورية جماعية منها وليس إليها، بدأت ملامحها بالظهور مع الأيام الأولى لاختطاف الزوار اللبنانيين، وتفاقمت منذ يومين بالتحديد بعد قيام مجموعة بقاعية تطلق على نفسها "المختار الثقفي" باختطاف باص ركاب سوري قادم من مدينة حماة، والإفراج عنهم في ظروف غامضة، وتعرض عدد من العمال القاطنين في الضاحية ما بين هاتين المحطتين الأمنيتين إلى الكثير من الضغوط والتضييق، تمثل بسلوكيات محلية لا عهد لهم بها من قبل، كالاستغناء عن أيديهم العاملة، وفض عقود إيجارهم، وإبلاغ معظمهم بأنهم أصبحوا أشخاصاً غير مرغوب في وجودهم، إضافة إلى ذلك ولمزيد من الاقتصاص والتضييق عملت القوى الحزبية الحاكمة في الضاحية، منذ بداية الأزمة السورية على إحصاء أعداد العمال السوريين، وأجبرت كل واحد منهم على تسجيل اسمه لدى مراجعها الخاصة، وكذلك أسماء الوافدين الجدد من شيوخ ونساء وأطفال، وغيرها من التدابير الأمنية التي شكلت مجتمعة أسباب قلق لدى النازحين السوريين ودفعت بهم إلى ترك الضاحية، والانتقال إلى أماكن أكثر أمناً وأماناً.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل