كتبت صحيفة "الجمهورية":
تشير معلومات خاصّة تتناقلها دوائر محدودة، إلى أنّ تداعيات معركة دمشق تتفاعل بسرعة في أوساط المعارضة في الخارج، وكذلك في أوساط حلفائها العرب والغربيين.
وحسب هذه المعلومات التي كشفها قريبون من دمشق، كان مقرّراً أن يكون تفجير مبنى الأمن القومي إشارة انطلاق لمجموعات كبيرة من المسلحين للسيطرة على دمشق وإعلان سقوط النظام. غير أنّ الوقائع الميدانية أظهرت نتائج معاكسة تماماً، إذ نجحت الأجهزة السورية العسكرية والأمنية والمدنية في استدراج آلاف المسلحين السوريين وغير السوريين وتطويقهم خارج العاصمة، ثم انقضّت عليهم وقتلت وجرحت واعتقلت الآلاف منهم.
وتفيد هذه المعلومات أنّ أطراف المعارضة قد تبادلت الاتهامات في ما بينها، فاتّهم بعضها البعض الآخر بإساءة تقدير الموقف العسكري والشعبي، فيما اتّهم البعض الآخر أجهزة الإعلام باستدراج المسلحين إلى معركة مُبكرة لأغراض إعلامية واستعراضية ما أدّى إلى مقتل أعداد كبيرة منهم من دون تحقيق أي مكاسب، ما استدعى دول المحور المعارض للنظام السوري إلى تحريك جبهات إعلامية وديبلوماسية وضغوط سياسية بما فيها خسارة موضوع الأسلحة الكيماوية الذي أُثير بهدف صرف الأنظار عن الهزيمة التي لحقت بالمسلحين في بعض أحياء دمشق وضواحيها.
وتشير هذه المعلومات أيضاً إلى "أنّ فرقاً خاصة تجري اتّصالات محمومة بعدد من السفراء والديبلوماسيين السوريين في الخارج وتعرض عليهم مبالغ طائلة مقابل إعلان انشقاقهم عن النظام ضمن معادلة بسيطة تقول "إذا خسرنا في الداخل فلنربح في الخارج، وإذا خسرنا في الميدان فلنربح في الإعلام". وتؤكّد المعلومات نفسها "أنّ جوّ الهزيمة التي مُني بها المسلّحون في دمشق كانت تخيّم على اجتماعات مجلس وزراء الخارجية العرب الأخير في الدوحة حيث امتنع عدد غير قليل منهم عن تبنّي الاقتراح القطري بتغيير مهمة الموفد الأممي ـ العربي المشترك كوفي أنان".
ويبدو الارتباك أكثر وضوحاً داخل إسرائيل نفسها حيث وقف مسؤولان كبيران في الاستخبارات الإسرائيلية أمام الكنيست الإسرائيلي ليدليا بشهادتين منافيتين لتصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع إيهود باراك حول نقل أسلحة كيماوية من مخازن الجيش السوري إلى مخازن حزب الله، وقد أكّد هذان المسؤولان الأمنيان الإسرائيليان أنّ الأسلحة الكيماوية ما زالت في يد الجيش السوري، وأن لا داعي لهذا الهلع الذي قد يؤدّي إلى حرب ليست إسرائيل مستعدّة لخوضها، بل هي تخشاها إلى حدّ كبير. وهذه الخشية الإسرائيلية ذاتها برزت في الارتباك أمام تعزيزات عسكرية سورية دخلت المنطقة العازلة في الجولان ما أثار مخاوف من لجوء القيادة السورية وحلفائها إلى حرب ضدّ إسرائيل.
والارتباك ذاته يتّضح جليّاً في تصريحات المسؤولين الأميركيين الذين يتحدّثون تارة عن توسّع نفوذ المعارضة السورية في مناطق متعدّدة، فيما يقول آخرون إنّ الجيش السوري قد نقل الأسلحة الكيماوية إلى المناطق الحدودية التي يوحي الأميركيون أنّها باتت تحت سيطرة مسلحي المعارضة.
وتشير المعلومات إلى أنّ فكرة "الحكومة الموقتة" التي طرحها الفرنسيون هي محاولة للخروج من مأزق توحيد المعارضة بعد محاولات متعدّدة علنيّة وسريّة جرت في عواصم عدّة من دون جدوى. وتفيد هذه المعلومات أنّ ارتباكات برزت في صفوف المعارضة إزاء اقتراح بتشكيل حكومة انتقالية ترأسها شخصية من النظام، فوافق بعض معارضي الخارج على هذا الاقتراح، فيما رفضه معارضون آخرون.
وتؤكّد معلومات القريبين من دمشق أنفسهم، أنّه بعد إغلاق تركيا معابرها الحدودية مع سوريا والاضطرابات التي تشهدها مخيّمات النازحين في تركيا وفرار أعداد من العسكريين المنشقين، لم تعد الأجهزة الأمنية التركية قادرة على التمييز بين مَن هو منشقّ فعلاً ومَن هو مكلّف بمهمّات أمنيّة. وما يثير قلق الحكومة التركية خصوصاً ما جرى في شمال شرق سوريا حيث أقدمت قوّات من "البشمركة" التابعة لرئيس إقليم كردستان العراقي مسعود البرزاني على احتلال بعض المدن الصغيرة في منطقة القامشلي بهدف إقامة منطقة عازلة تكون مفتوحة على الحدود مع تركيا ومع أكراد العراق في وقت واحد، فإذ بهذه القوات تشتبك مع مقاتلي حزب العمال الكردستاني المعارض لتركيا والذي بات مسيطراً على هذه المناطق بما يحوّلها مناطقَ آمنةً لقواته لتصعيد هجماتها ضدّ أنقرة.
وتشير هذه المعلومات إلى أنّ لبنان قد يعود مرة أُخرى هدفاً لتحويل بعض مناطقه الحدودية "مناطق عازلة وآمنة لمسلّحي المعارضة السورية بعد الفشل في إيجاد مناطق على الحدود مع دول أخرى"، كذلك تفيد المعلومات أنّ تبادل الاحتجاجات بين بيروت ودمشق يندرج في هذا الإطار، فالحكومة اللبنانية
تحتجّ على دخول قوّات سورية إلى لبنان، فيما تحتج الحكومة السورية على تسلّل مسلحين من الأراضي اللبنانية.
وفيما تعتقد الأوساط الدبلوماسية أنّ من حقّ الحكومة اللبنانية، بل من واجبها أن تسجّل اعتراضاً على التوغّل السوري في الأرض اللبنانية، فإنّ من حقّ الحكومة السورية في المقابل، بل من واجبها، أن تسجّل اعتراضاتها على تسلّل مسلحين من لبنان.
ويستذكر الظرفاء هنا طرفة لبنانية مفادها أنّ خصمين اشتكيا إلى قاض، فلمّا سمع هذا القاضي شكوى الأوّل قال له "أنت على حق". وحين استمع إلى الثاني قال له "وانت على حق". فلما سأله مراقب: كيف يكون الاثنان على حقّ يا حضرة القاضي؟ فأجاب: "وأنت على حق أيضاً".
أوساط رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان تقول إنّه "يتصرّف كمسؤول عن تطبيق الدستور وعن التزام روابط الأخوّة مع سوريا، فهو من جهة كان الوحيد تقريباً بين الرؤساء العرب الذي اتّصل بالرئيس بشار الأسد معزّياً بالقادة الأمنيين والعسكريين الأربعة الذي قَضَوا في تفجير مبنى الأمن القومي، وبالتالي له الحق في أن يُسجّل اعتراضاً على دخول قوّات غير لبنانية الأرض اللبنانية".
إلا أنّ البعض يتخوّف من أن تؤدّي هشاشة الوضع على الحدود إلى تسرّب الأزمة السورية إلى لبنان مع دخول كثير من المسلحين السوريين الذين يفرّون من المعارك الحامية الوطيس في سوريا. وفي هذا السياق، يُعلّق أحد السياسيين الخُبثاء قائلاً: "لقد خرج الجيش السوري من لبنان عام 2005، فهل يعود "الجيش السوري الحر" إليه عام 2012؟! وهل تُستبدل المشاريع الأميركية ـ الإسرائيلية في سوريا بمشاريع القاع في البقاع اللبناني؟!