#dfp #adsense

“الجمهورية”: الحياد الفلسطيني في سوريا يتلاشى… والتحاقات بالثورة

حجم الخط

كتبت مي الصايغ في صحيفة "الجمهورية":

«إنتو بوادي ونحنا بوادي وكل لحظة تبعدنا زيادة»، عبارة تُجسّد لسان حال أبناء المخيمات الفلسطينية في سوريا، مخيمات أضحت أسيرة الانفصام بين الموقف الرسمي لغالبية الفصائل الفلسطينية المتمثّل بسياسة «النأي بالنفس» أو «الحياد الإيجابي»، وبين المزاج الشعبي لأبناء المخيمات، الذين وجدوا أنفسهم في خندق واحد مع إخوانهم السوريين، وانضمّ عدد كبير منهم إلى ركب الثورة تحت راية «واحد واحد واحد… فلسطيني سوري واحد».

في الأشهر الأولى من عمر "الثورة السورية" التي اندلعت شرارتها منتصف آذار 2011، اقتصر دور اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، الذين أُجبروا على ترك أرضهم عندما احتلّتها إسرائيل عام 1948، على تشكيل لجان لجمع تبرعات لإخوانهم السوريين الذين نزحوا إلى المخيمات، وتقديم المساعدات لهم من أدوية ومواد غذائية إضافة إلى احتضان الجرحى منهم.

إلّا أنّ "الحياد الفلسطيني" سرعان ما بدأ يتلاشى، أمام الحملة التي تعرّض لها عدد من المخيّمات التسعة الرسمية، بحكم تداخل هذه المخيمات مع القرى والأحياء السورية. فهي ليست مغلقة على نفسها، كما هو حال مخيّمات لبنان.

واقع المخيمات

ففي آب من العام الماضي، وجّه النظام السوري بوارجه الحربية وقصف مخيّم الرمل الجنوبي في اللاذقية ضمن حملته على المدينة، ما اضطر أهله اللاجئين أصلاً إلى اللجوء إلى مناطق عدة، بعدما ضرب النظام حصاراً على المخيم.

مخيّم درعا كانت له حصّة الأسد من حملة النظام السوري على المدينة، التي تعدّ مهد الثورة، حيث ضُرِب حصار خانق على المخيم، الذي تعرّض لقصف عنيف من قوات النظام السوري، وتمّ تدميره وتهجير مَن تبقّى من أبنائه إلى الأردن.

في المملكة الهاشمية لم يواجه اللاجئون الفلسطينيون الجدد وضعاً أفضل، فهم يعيشون في مخيّم أشبه بمعتقل، على قاعدة أنّه يكفي وجود فلسطينيين في الأردن، إلى أن توسطت حركتا "فتح" و"حماس" لدى عمّان لتحسين شروط عيشهم وتخفيف القيود المفروضة عليهم.

مخيم النيرب في حلب تعرّض لحملة قمع كبيرة وتمّ إعدام 17 عنصراً من المنشقّين عن "جيش التحرير الفلسطيني" في 12-7-2012، لأنّهم رفضوا توجيه البنادق ضدّ احتجاجات الشعب السوري.

مخيّم عائدون، دُمّرت معظم منازله ضمن حملة النظام على مدينة حمص التي وُصفت بالأعنف.

مخيّم اليرموك الواقع جنوبي مدينة دمشق، شهد حركة احتجاجات منذ بداية الثورة، لكنّها كانت ضعيفة نسبياً مقارنة بما هي عليه اليوم، إذ انضمّ لركب الثورة، وقد تصاعدت التظاهرات فيه فقابلها النظام السوري بالقمع والحصار بالدبابات والحواجز العسكرية، وتلاها اغتيال عدد من عناصر "جيش التحرير الفلسطيني"، الذي يخضع لرئاسة أركان الجيش السوري.

في ظلّ هذا الواقع، لم يكن أمام قسم من اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، الذين يقدّر عددهم بنحو نصف مليون، سوى خيار الانضمام إلى المعارضين السوريين الذين يقاتلون النظام، وقد حمل بعضهم السلاح للقتال إلى "جانب الثوار".

وعلى غرار إخوانهم السوريين، شكّل اللاجئون أربع تنسيقيات فلسطينية، تُمثّل "تنسيقية الثورة السورية مخيم اليرموك ومخيم فلسطين وما حولها" أبرزها. وفي المعلومات، إنّ عدد الشباب الفلسطيني الذي التحق بـ"الجيش السوري الحرّ" قارب المئات، وقد انشّق الأحد الماضي عقيد من "جيش التحرير الفلسطيني" والتحق بـ"الجيش السوري الحرّ"، وأصبح بإمرته.

ذاكرةٌ مثقلة بالشجون

غير أنّ نقمة فلسطينيي سوريا ضدّ النظام ليست وليدة لحظة انطلاق شرارة الثورة ضدّ نظام الرئيس بشار الأسد، فذاكرة اللاجئين مُثقلة بالشجون التي طبعت علاقة قائدهم الرمز ياسر عرفات بالرئيس الراحل حافظ الأسد منذ ثمانينيّات القرن الماضي، إذ دخلت حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" مع النظام السوري في مواجهة مفتوحة في سوريا وفي لبنان.

وامتلأت السجون السورية بالفلسطينيين بتهمة مناصرة عرفات أثناء حرب المخيمات في لبنان، أي في الفترة الممتدة بين أيار 1985 وتموز 1988.

وبعد توقيع اتّفاق أوسلو عام 1993، اعتقل النظام السوري قرابة 10000 فلسطيني من مؤيّدي عرفات. وتعرّض فلسطينيّو لبنان لحملة اغتيالات واسعة النطاق طاولت قيادات عدة، في طليعتها معتمد إقليم "فتح" في لبنان معين شبايطة، وأمين سر الحركة يونس عواد، والقيادي الفتحاوي البارز أنور ماضي.

لم يكن حافظ الأسد يحتمل شعبية عرفات الكاسحة داخل المخيّمات وحاول دائماً كسرها. وجنّ جنونه في تشييع زعيم جبل الدروز سلطان باشا الأطرش عام 1982، حين هتف نصف مليون سوري للأطرش ولأبي عمّار.

المشهد عينه تكرّر في أربعين أمير الشهداء خليل الوزير "أبو جهاد"، الذي اغتاله الإسرائيليون في مقر إقامته في الضاحية الشمالية للعاصمة التونسية في نيسان 1988. أضف إلى ذلك، فقد كان يجرّ كلّ تدخّل سوري في الشؤون الفلسطينية معه انقسامات وانشقاقات واسعة النطاق في صفوف "جيش التحرير الفلسطيني" ومنظمة "الصاعقة" الجناح العسكري لحزب البعث السوري- تنظيم فلسطين لمصلحة "منظمة التحرير الفلسطينية" عموماً وحركة "فتح" خصوصاً.

على رغم هذه التراكمات التي أسهمت في تعبئة اللاجئين الفلسطينيين ضدّ النظام السوري، بذلت "فتح" كلّ ما في وسعها لتبقى بمنأى عن المعارضة السورية، لدرجة أنّها باتت تغرّد خارج سرب قواعدها الشعبية.

يقول مصدر فتحاوي رفض الإفصاح عن اسمه لـ"الجمهورية": "هذه الكتلة الفلسطينية هي مع الشعب السوري، على رغم وجود بعثيين وفصائل تسيّرها المخابرات السورية".

مناصرو حركة "حماس" التي نأت بنفسها عن النظام السوري، بعدما كانت تتّخذ من دمشق مقرّاً لمكتبها السياسي حتى شباط الماضي، ليسوا أفضل حالاً.

فبعدما خرجت قياداتها من سوريا، تمّ تهديد كوادر "حماس" بالتنكيل بأنصار الحركة في المخيّمات الفلسطينية، إذا ما فكّر أحدهم في مهاجمة النظام السوري في وسائل الإعلام أو تأييد "الإخوان المسلمين" أو المعارضة السورية.

"الجهاد الإسلامي"

أمّا حركة "الجهاد الإسلامي" فتجد نفسها في مأزق اليوم. فهي بين سندان المخابرات السورية ومطرقة قاعدتها الشعبية التي تخالفها الرأي، وتطالبها بوقفة ضدّ النظام، إلّا أنّ قيادة الجهاد لا تملك هامشاً للتحرّك، لا سيّما أنّ تمويلها إيراني. وبحكم وجود قياديّيها في دمشق، أُبلغوا أنّهم إذا ما ساروا على نهج "حماس"، وفكروا في مغادرة سوريا، سيتمّ التنكيل بهم.

لم يقتصر الأمر عند هذا الحد، فأثناء زيارة عدد من قيادات "الجهاد الإسلامي" لبنان لتشييع أحد أعضاء مكتبها السياسي، المهندس سليم حمادة في 11 من الشهر الجاري، رافقتهم عناصر من المخابرات السورية في سيارات القادة والمرافقة، وطلبت اليهم أن يعودوا أدراجهم في اليوم ذاته.

وقد ظهرت شكوك في وفاة حمادة الذي كان مقيماً في صيدا، وذهب إلى سوريا مع قيادة "الجهاد"، لكنّه كان في وارد ترتيب عودته إلى لبنان، وفجأة أصابته سكتة قلبية، ما عزّز من فرضية اغتياله وعدم وفاته بشكل طبيعي.

إلى جانب ذلك، طُلِب إلى قياديّي الجهاد أنّ يُطلّوا إعلامياً عبر تلفزيون "دنيا"، لاستنكار المؤامرة على سوريا وإعلان دعمهم الرئيس بشار الأسد.

"الجبهة الشعبية"

"الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" مقتنعة بحقّ الشعب السوري بالديموقراطية والعيش الكريم، إلّا أنّها لا تريد زجّ الفلسطينيين في شأن لا ناقة لهم ولا جمل فيه، على قاعدة أنّ "ثمن الحياد أقلّ من كلفة الانحياز".

يقول قيادي بارز في "الجبهة الشعبية" لـ" الجمهورية": "يكفي ما أريق من دم فلسطيني على أرض الوطن وفي الشتات"، في إشارة إلى فاتورة الدماء التي دفعها اللاجئون الفلسطينيون في كلّ من لبنان وسوريا والعراق والكويت.

وبناءً عليه، يلتزم أفراد الجبهة منازلهم على رغم المضايقات التي يتعرّضون لها من النظام السوري وأنصار الأمين العام للجبهة الشعبية – القيادة العامة أحمد جبريل من جهة، والمعارضة من جهة أخرى.

وقد تمّ تشكيل لجان شعبية من اللاجئين الفلسطينيين في محاولة لحماية المخيمات من دخول المسلحين إليها. إلّا أنّ "الجبهة تخشى أن يفرط هذا الحياد إذا ما استمر استهداف أبناء مخيّم اليرموك، وأن يتمّ زجّ جيش التحرير الفلسطيني، والكلفة العالية التي ستترتّب على زجّه إيجاباً أو سلباً"، وتعوّل على دعوات الوجهاء والشبّان لتثبيت الحياد تجاه الشبّيحة والمعارضة على حدّ سواء.

حياد يبدو أنّ كفّته رجحت حتى الساعة على حد تعبير القيادي في "الجبهة الشعبية"، طامحاً أن يكون الفلسطينيون على شاكلة "الكتلة الأرمنية" في لبنان، التي نأت بنفسها عن تأييد أي من أطراف النزاع في الحرب الأهلية منتصف السبعينيات.

والجدير ذكره أيضاً أنّ عدداً كبيراً من الفلسطينيين ينتمون إلى حزب "البعث" بفعل الارتباط الوظيفي بمؤسسات الدولة ووكالة "الأنروا"، وهم ينضوون تحت إطار القيادة القطرية الفلسطينية للحزب الحاكم. إذ إنّ أحد شروط الحصول على وظيفة في دوائر الدولة السورية أن يكون الشخص "بعثيّاً"، وبالتالي إنّ فلسطينيّي سوريا بخلاف أشقائهم في لبنان هم موظفون في الوزارات والدوائر الحكومية السورية، ويعاملون كالمواطنين السوريين لناحية الوظائف باستثناء الفئة الأولى، التي

تظل حكراً على السوريين

ويمكن مشاهدة رؤساء دوائر وموظفين في وزارة المال أو الشؤون الاجتماعية وفي المصرف المركزي على سبيل المثال لا الحصر.

ما يعني أنّ الفلسطينيين هم جزء من التركيبة الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع، وهم مندمجون فيه بشكل كبير، ما يزيد من إمكان تأثرهم وتأثيرهم في الأزمة السورية.

لكنّ هذا العدد الكبير من الفلسطينيين الموجودين في دوائر الدولة، لم تعُد القيادة القطرية الفلسطينية لحزب "البعث" تستدعيهم إلى أيّ اجتماع حزبي منذ فترة طويلة، ولم يعد هناك رقابة على الناس في وظائفهم. أمام هذا الواقع، اعتبر كثير من الحزبيين الفلسطينيين أنّهم في حلّ من التزاماتهم، ما يدلّ على الحالة المنفلشة التي لحقت بمؤسّسات الدولة. وباتت القيادة السورية تدرك أنّ الأعداد الكبيرة من الحزبيّين السوريين أو الفلسطينيين في إدارات الدولة على حد سواء، يقتصر دورهم على تسهيل العمل، وبالتالي تمّ إقصاؤهم عن الصراع لتسلّم دفة مواجهة الاحتجاجات للأمن والعسكر.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل