لو لم يكن معظم الواقع المضطرب الذي يشهده لبنان منذ ايار الماضي مرتبطا بالازمة السورية لأمكن القول ان لبنان التحق بمنظومة "الربيع العربي" من باب الثورة الاجتماعية هذه المرة. ومع اننا لسنا من المسلّمين بمقولة استعادة التاريخ لنفسه، خصوصا في هذا الزمن المتحول، فاننا لا نملك رد الخشية من مقارنة ما شهده لبنان في طلائع السبعينات عشية انفجار الحرب فيه وعليه وما يجري الآن من الزاوية الاجتماعية التي تزاحم بحدتها الصراعات السياسية.
في تلك الحقبة تلطى تفجير لبنان على ايدي المنظمات الفلسطينية بواقع الحرمان ايضا، ورفع ما سمي "حزام البؤس" ستارا محليا لحجب عملية تقويض السلطة والدولة مدخلا لتفجير الحرب.
والآن تتجمع في افق الاستقرار المهتز ازمات اجتماعية وتتدافع على نحو خطير غير مسبوق على وقع تآكل مخيف لسلطة الدولة والحكومة وقدراتهما التي تبدو الى انهيار محقق. واكثر ما يخيف في هذا المنحى الانحداري هو توازن رعب تصاعدي بين تفكك السلطة وعجز الحكومة وشللها واستشراء موجات الاحتجاجات في شتى القطاعات محمولة بنفس التمرد على كل شيء. وحتى مع التسليم بأحقية المطالبة بحقوق ممتهنة في موازاة اهمال مزمن للازمات الاجتماعية وتراجع مخيف في الخدمات البديهية والتقديمات، فان في المشهد الثائر خلفية فوضوية مثيرة لكل الخوف من دمار ما تبقى من "الحيط الواطي" للدولة الذي بات القفز فوقه السمة الفاقعة ليوميات اللبنانيين.
رضوخ الدولة في السياسة والامن للاقوياء في السياسة والشارع والطائفة حرّض الناس على الاستقواء عليها واسقاط مبدأ التسويات في تحصيل الحقوق المستحقة. وما ظاهرة المياومين "الكهربائيين" وتمددها الى عشرات ألوف الموظفين في القطاع العام سوى فتيل اشتعال اجتماعي اعم واشمل ينذر المتلاعبين السياسيين بان في لبنان مخزونا ملتهبا من الازمات الاجتماعية كفيلا باحراق الدولة وعبادها وليس اصابعهم فقط. وحين يضحي الموظف كالمياوم "خاطف رهينة" فمعنى ذلك ان حرب الحقوق لن تلبث ان تحرق الجميع بأسرع مما يتوهمون، وبأخطر مما يدركه سائر النافذين الآن في الحكومة والدولة والشارع سواء بسواء.
في ايار 1992، ( ودائما في أيار ) احرقت الدواليب حكومة الرئيس عمر كرامي واسقطتها في الشارع. وثمة ما يتجمع الان في استعادة كارثة الكهرباء وازمة المياومين وازمة الموظفين وسائر الازمات المنفجرة او النائمة، بما ينذر باحراق شيء ما يتجاوز حكومة باتت مفككة ومشلولة وعاجزة على ايدي اطرافها الى دولة يكاد حضورها ينعدم تماما. اما بقايا الاستقرار الامني الذي تتعلق به الاهداب كخرزة زرقاء مرصودة ليوم لا يريد احد التصديق انه قد يأتي، فيسأل عنه المكابرون والمتلاعبون في السياسة والشارع الذين يهرولون بسرعة جنونية الى استعجال الانهيار. وكل الطرق تؤدي الى الطاحونة!