كتب نوفل ضوّ في "الجريدة":
يؤكد العارفون بأسلوب عمل رئيس حزب "القوات اللبنانية" د. سمير جعجع أن الإجازة السنوية التي أعلن بيان صادر عن مكتبه الاسبوع الماضي أنها ستمتد الى مطلع شهر اب المقبل ليست انقطاعا عن السياسة، وإن عنت في بعض جوانبها انقطاعا عن حركة الاستقبالات واللقاءات التقليدية.
ويوضح القريبون من جعجع أن مفهومه للعمل السياسي هو التخطيط المستند الى إعادة قراءة التطورات في ضوء تجربة الماضي القريب والعبر التي يتم استخلاصها منها، في حين أن الاستقبالات واللقاءات والتصريحات التي يعتبرها الكثيرون من السياسيين الآخرين جوهر العمل السياسي وأساسه ليست بالنسبة الى جعجع سوى عملية حفاظ على شبكة من العلاقات العامة يتمنى بينه وبين نفسه لو أن بإمكانه الاستغناء عنها والاستعاضة عن الوقت المصروف عليها من أجل القراءة والتأمل بمفهوميه السياسي– التخطيطي، والروحي– الإنساني.
وبحسب شخصية سياسية عرفت سمير جعجع عن قرب، وعاونته في مراحل عدة من عمله السياسي، فإن رئيس حزب "القوات اللبنانية" اتخذ معظم قراراته المصيرية عشية التحولات الكبرى لبنانيا في مثل هذه "الإجازات" التي كان يمضيها في بداياته السياسية في "دير القطارة"، الذي اتخذ منه مقرا لقيادته في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي.
من هنا تؤكد هذه الشخصية أن من ينظر الى "إجازة" جعجع الحالية على أنها انصراف الى الراحة والترفيه يخطئ الحساب، لأن رئيس حزب "القوات اللبنانية" يدرك تماما أهمية ودقة واستراتيجية ومصيرية المرحلة التي يجتازها لبنان ويقبل عليها في ضوء المتغيرات الإقليمية المتسارعة، ولاسيما في سوريا. فما يعتبر بالنسبة الى كثيرين من السياسيين "هماً" يسعون الى التفلت منه، هو اللذة بذاتها بالنسبة الى جعجع، بمعنى أن "الإجازة" بالنسبة إليه هي الوقت المطلوب لا للاستجمام والنزهات، بل للعمل السياسي الصحيح القائم من وجهة نظره وقناعاته على دراسة معمقة وهادئة لمفاصل تطور الحوادث ومتطلبات التعاطي معها والتأثير فيها والاستفادة من نتائجها بعيدا عن ضغوطات برنامج العمل التقليدي المثقل بالملاحقات التفصيلية لبعض القرارات والملفات الروتينية.
ويشدد القريبون من جعجع على أن مثل هذه "الإجازة" تقوم على مزيج من القراءات السياسية والفلسفية والتاريخية، وعلى مقارنات بين هذه القراءات وبين الواقع الراهن، وعلى سعي – من خلال صفاء ذهن يستمده من الوحدة والبعد عن الضوضاء وحتى من خلال الصلاة والتأمل ساعات طويلة – لاستقراء المرحلة المقبلة وتلمس أفضل الخيارات للتعاطي معها.
ويتوقع العارفون بطريقة عمل جعجع وتفكيره أن يكون رئيس حزب "القوات اللبنانية" بصدد مقاربة علمية ومنهجية لأدق التفاصيل المتعلقة بتطور الوضع في العالم العربي، ولاسيما في سوريا من الزوايا الأمنية والسياسية والانتخابية كافة، لرسم كل الخيارات والاحتمالات التي يمكن ان تواجه لبنان وتواجه فريقه السياسي وحزبه في ضوئها، ليضع بنتيجتها تصورا لاستراتيجية عمله السياسي للأشهر المقبلة، التي تعتبر أشهر استعداد للانتخابات النيابية مع ما تعنيه هذه الانتخابات من عملية تأسيسية لمرحلة سياسية جديدة في لبنان يتغير فيها لاعبون، ويضعف آخرون، وتقوى فيها أحزاب وشخصيات وقيادات وتتراجع أخرى تبعا للخيارات والرهانات التي تبنوها وعملوا من خلالها.
ولذلك، تدعو الشخصية القريبة من جعجع الى توقع دينامية حزبية وسياسية جديدة يطل من خلالها رئيس حزب "القوات اللبنانية" على الحياة السياسية اللبنانية مع انتهاء "إجازته"، معطيا دفعا جديدا للملفات الساخنة، ولاسيما منها تلك المتعلقة برفع منسوب قدرة لبنان على الاستفادة من المتغيرات، والحد من التأثيرات السلبية لهذه المتغيرات على المشروع السياسي لقوى "14 آذار" و"القوات اللبنانية" لناحية السيادة الكاملة للدولة ومؤسساتها والاستقلال الناجز وضمان المرجعية الحصرية للدستور اللبناني، الذي يرسم آلية إدارة لبنان سياسيا وأمنيا وعسكريا واقتصاديا وثقافيا وتربويا وحياتيا ومعيشيا وإنمائيا.
وتخلص الشخصية الى أن "إجازة" جعجع ستنتهي بملف لا يستهان به من القرارات السياسية المحورية المتعلقة بالتعاطي مع المواضيع الساخنة المطروحة، والقرارات الحزبية المتعلقة بتأمين الأدوات التنفيذية المطلوبة لوضع قراراته وتصوراته موضع التنفيذ.