#adsense

زواج… فـ”ضرب وإهانة”… فـ”اغتصاب”

حجم الخط

كتبت باسكال بطرس في "الجمهورية":

"أنا رجل، أتسمعين؟ رَجُل! وإمكاناتي الجنسية ورغباتي لا تسمح لي أن أتريّث لتصبح زوجتي في مزاج حميم معيّن لتتقبّلني جنسيّاً". قالها وانقضّ عليها كغنيمةٍ لا حول لها ولا قوّة…

"كان يريد أن يُشبِع نزواته ساعة يشاء، وعليّ أن أكون دائماً جاهزة بانتظاره"، تقول سيّدة رفضت الكشف عن اسمها، مشيرة إلى أنّ "روايتي تجسّدها آثار الضرب على جسدي ومعاناتي النفسية، بعدما بذلت جهوداً استثنائيّة للخلاص من عذابي المستمرّ".

الحرج الذي تشعر به هذه السيّدة، ينبع من كون جسدها استُبيح بـ"وحشية" كما تؤكد، لأعوام طويلة. والواقع أنّ اختيار القصة الأكثر وقعاً لروايتها يبدو صعباً، في ظلّ تكرّر المأساة على ألسنة ثلاث سيّدات أخريات عانين الأمرّين، نتيجة أساليب التعذيب التي مورست عليهنّ.

فتروي "ليلى" (اسم مستعار) أنّ "زوجي كان يتعاطى الحشيش ويأتي كلّ ليلة من أجل "النيل" منّي، من دون أن يترك لي المجال للدفاع عن نفسي"، وتقول: "كان يمارس عليّ أنواعاً مختلفة من الأدوار، فبعدما كان يشاهد أفلاماً إباحية كان يأتي لتطبيقها عليّ".

وتستفيض "حسناء" (اسم مستعار) بالشرح: "كان يأتي في المساء يسحب الغطاء عنّي ويغتصبني. وأنا كنت أعمل من السادسة صباحاً إلى السادسة مساء وأعود من أجل الوقوف على ما يلزم في المنزل، إلّا أنه لم يكن يرحمني، قائلا إنّني لا أشبه النساء".

وتلفت "زينة" (اسم مستعار) إلى أنّ زوجها "كان يثور عندما لا يعجبه شيء، ويُمسكني من يدي ليمارس عليّ رجوليّته، لأنّ الرجولة في نظره أن يكون هو من فوق وأنا من تحت، لأنه دفع ثمني مهراً في عقد الزواج".

على المرأة الاستجابة لزوجها عندما يطلبها إلى الفراش وفوراً، من دون التأخّر عن تنفيذ هذا الحكم العسكري، فهي وُجِدَت لإرضاء ملذاته ورغباته من دون أي ممانعة! ولكن لماذا يغتصب الرجل زوجته؟ وما الشعور الذي يساور المرأة عندما ترضخ مُرغمة لتلبية الأوامر المفروضة عليها؟

أسباب الاغتصاب الزوجي

تلفت الأخصائية في علم النفس الدكتورة جيزيل أبي شاهين، والتي تعمَل بالتعاون مع منظمة "كفى عنفا واستغلالا" على معالجة هؤلاء النساء، إلى "أنّنا نعيش في ظلّ هيمنة ذكورية في مجتمعنا، حيثُ للرجل حقّ السيطرة بطريقة مُطلقة على المرأة من أجل إرضاء احتياجاته الجنسيّة، وله الحقّ في استعمال السُلطة لفرض ما يريد"، مشيرة إلى نظرة المجتمع، "فهو لا يعترف إلا بالحاجات الجنسية للرجل، بينما المرأة ليس لديها ولو حق التعبير عن احتياجاتها، هذا فضلاً عن انعدام التوعية وعدم وجود حرية جنسيّة، ما يؤدي إلى الكبت، وهذا بدوره يؤدي إلى العنف في العلاقة الجنسيّة".

وتوضح: "من أسباب الاغتصاب الزوجي أيضا الزواج بالإكراه (الإجباري)، والاضطرابات النفسيّة للزوج، الناشئة عن تعاطي الكحول والمخدّرات، إضافة إلى عدم وجود وعي كافٍ لدى كل من الشريكين للحديث والمصارحة عن احتياجاتهم الجنسية".

وترى أبي شاهين أنّ "هناك صعوبة لتدرك المرأة أنها تتعرّض للاغتصاب الجنسي، وهي لا تملك القدرة على الحديث عنه أو تمييزه، خصوصاً أنّ ذلك يحدث داخل إطار مؤسّسة الزواج"، وتعزو الأسباب إلى "الخجل والخوف من التفكّك العائلي أو الطلاق، وعدم وجود دعم عائلي للزوجة وعدم استقلاليتها مادّياً".

تأثيرات الاغتصاب الزوجي

أمّا عن تأثيرات الاغتصاب على الزوجة، فتشرح أبي شاهين أنّ "أسباب عديدة تدعو الزوجة إلى رفض إقامة علاقة جنسيّة مع زوجها، لأنها تربط بين العلاقة والشعور بالخوف والانزعاج والألم وعدم الشعور باللّذة"، لافتة إلى أنّ التأثيرات "تتوزّع بين التأثيرات النفسية كالصدمة والاكتئاب والانعزال وعدم احترام الذات وعدم الثقة بصورة الرجل، وصولا إلى محاولة الانتحار، وبين التأثيرات السلوكية كالخوف من ممارسة الجنس والبرودة الجنسية والأكل بإفراط شديد والتدخين بشراهة وشرب الكحول وتعاطي المهدّئات، فضلا عن التأثيرات الجسدية كالأوجاع المُزمنة وغير المبرّرة طبّياً".

مرض نفسي

وتؤكد أبي شاهين أنّ "الاغتصاب الزوجي هو مرضٌ نفسي، سببه أن يكون الرجل عانى مشاكل في طفولته، أو خللاً في علاقته مع أمّه تسبّبت بإذلال، ما يخلق حاجة لديه للسيطرة على المرأة والانتقام منها، أو أن يكون غير قادر على ضبط نفسه أو منعها من القيام بأيّ تصرّف سلوكيّ، أو أن يستمتع ويلتذّ عندما يشاهد شريكه يتألّم".

وتشدّد أبي شاهين على أنّ "أكثر ما يؤذي في هذا النوع من الاغتصاب هو العنف المعنوي والنفسي". وتلفت إلى أنّ "القانون الفرنسي يعتبر أنّ الاغتصاب الذي يحدث في ظلّ علاقة عاطفية بين شريكين، يكون أكثر تأثيراً وأشدّ ألماً، من هنا ينال كلّ من يغتصب امرأة عقوبة 15 سنة سجنية، في حين ينال من اغتصب زوجته عقوبةً مضاعفة تتلخّص بـ 20 سنة سجنية".

نتائج كارثيّة

وفي هذا السّياق، توضح مديرة مركز الاستماع والإرشاد في منظمة "كفى عنفا واستغلالا" ريما أبي نادر، أنّ "السيّدات لا يقصدن المركز عادةً لتعرّضهن لعنف جنسي، إنما للأشكال الأخرى من العنف، كالعنف الجسدي والنفسي والاقتصادي واللفظي والديني"، مشيرة إلى أنّ "الموضوع حميم ومعقّد، لأنّه لا وجود للاغتصاب الزوجي في ذهنيّة المجتمع، على اعتبار أنّ من حق الزوج ممارسة العلاقة مع زوجته مهما كانت متطلّباته والممارسات التي يرتكبها معها، حتى لو أنها تتناقض مع تربيتها وقيمها ومفهومها للعلاقة الجنسية". وإذ تشير إلى أنّ "الاغتصاب الزوجي هو عنف لا يمكن إثباته إلّا عن طريق الزوجة نفسها، وهذا ما يستلزم جرأة منها للكشف عن ذلك"، تطالب أبي نادر بإقرار "قانون يحمي النساء من كل أشكال العنف، بما فيه هذا النوع من الاغتصاب".

حماية النساء من العنف الأسري

من جهتها، ترى منسّقة المجموعة النسوية فرح سلكا أنّ "القانون ومخافر الدرك لا تتعامل بجدّية مع شكاوى الاغتصاب، إلا إذا انتهت بجريمة قتل"، مشدّدة على ضرورة "أن يقرّ مجلس النواب قانون حماية النساء من العنف الأسري كما هو، ومن دون أي تشويهات، والآن قبل الغد، بما فيه المواد التي تجرّم الاغتصاب الزوجي"، داعية المجلس أيضاً إلى "تعديل قانون العقوبات في ما يخصّ جريمة الاغتصاب وتشديد العقوبة على من يرتكبها أو يحاول ارتكابها، فضلاً عن اعتبار التحرّش الجنسي اللفظي والجسدي والنفسي بالنساء، خصوصاً في أماكن الدراسة والعمل، جريمة يُعاقب عليها القانون".

وفي هذا الإطار، يوضح النائب عماد الحوت لـ"الجمهورية" أنّ "كلمة اغتصاب تُترجم في المصطلح القانوني بأن يأخذ المرء شيئاً لا حق له فيه وبطريقة لا يحقّ له اللجوء إليها، فيما الزواج يسمح بعلاقة قانونية بين زوجين تُعدّ حقاً مكتسباً لكليهما"، مشيراً إلى أنّ "الإكراه الزوجي يُعتبر غير قانوني عندما يتعدّى الأطر الإنسانية من خلال لجوء الزوج إلى أساليب وحشيّة لتحقيق غايته الجنسية". ويضيف: "وقد جُرِّم (المغتصِب) في المادة المتعلّقة بالمعاقبة على الاغتصاب الزوجي ضمن مشروع قانون حماية النساء من العنف الأسري الذي تقدّمنا به في اللجان النيابية إلى الهيئة العامة في مجلس النواب ليُصار إلى التصويت عليه في الجلسات المقبلة، ووصلنا بالعقوبة إلى مستوى أرفع وأشدّ، وقد تطاول 25 سنة سجنية، وذلك بحسب الضرر الناجم عن الجرم، استناداً إلى تقرير الطبيب الشرعي".

ويشير الحوت إلى أنّ "الجدل الذي أثاره مشروع

القانون الذي أنهيناه كلجنة فرعية مع بعض الجمعيات النسائية، سببه أننا ارتأينا أن يشمل القانون كلّ فئات المجتمع التي تتعرّض للعنف، في حين شدّدت الجمعيات على أن يبقى القانون محصوراً بالمرأة وحقوقها دون غيرها، وألّا يكون قد فُرِّغ من مضمونه"، مؤكداً أن "هذا غير صحيح، إذ يجب تأمين الحماية الكاملة لجميع أعضاء الأسرة. صحيح أنّ المرأة تعتبر الفرد الأكثر تعرّضاً للعنف ولكنّها ليست وحدها، فلا يجب أن ننسى الأطفال وكبار السنّ، كما أنّ الرجال أيضا قد يتعرّضون للعنف"، لافتاً إلى حكاية "رجل في نيجيريا تعرّض منذ أيام للاغتصاب من ستّ نساء، ما تسبّب بموته". ويختم الحوت: "للأسف لا مجال لدينا في لبنان لإصدار قوانين بسرعة وفي أي وقت، وقد يستغرق ذلك سنة كاملة، فلمَ لا نغتنم الفرصة المتاحة اليوم ونقرّ قانوناً يشمل كل فئات المجتمع ويؤمن الحماية لها، من دون التقصير طبعا في حماية حقوق المرأة وصيانتها؟"

ويبقى السؤال: هل يتحوّل الإكراه الزوجي قريبا إلى جريمة اغتصاب يُعاقب عليها القانون اللبناني؟ وهل ينجح هذا القانون في حماية نساء لبنان من تنفيذ مهمات لا مزاجَ لهنّ فيها في وقت من الأوقات؟

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل