مثلما أن لا خيار أمام بشار الأسد سوى الذهاب في معركة الحياة أو الموت إلى النهاية، فلا خيار أيضاً أمام الثوّار السوريين عموماً وأهل حلب (راهناً) وخصوصاً سوى الاستمرار في المواجهة والبقاء فيها حتى النهاية.
ومجدّداً وللمرة الألف، لا أوهام في هذا المقام ولا أمنيات مستحيلات. المعادلة بسيطة وأوضح من شمس تموز: إمّا سوريا وشعبها وإمّا بشار الأسد وحاشيته. بقاء الاثنين فوق أرض واحدة صار شيئاً من الماضي. وأمراً خارج حسابات الواقع السوري، وإن كانت الدوائر المعنية إقليمياً ودولياً وسورياً تتداول من جديد قصّة الحل السياسي المرحلي الذي يحتمل في عُرف أصحابه ومروّجيه، تشكيل حكومة انتقالية تضم شخصيات من المعارضة وأخرى من مناخ النظام نفسه لكن أيديها لم تُلوّث بالدم!
نجح الأسد في طريق أفوله، في أمرين كبيرين. الأول هو عسكرة الثورة المدنية السلمية العامة والشاملة ضده وتسميمها بكل أنواع السموم المتوفرة في المسألة الشرقية منذ بدء التاريخ.. والثاني هو استدراج "الاهتمام" المحيط به والبعيد عنه، المعني بمصيره ومصير سوريا معه وبعده، إلى زوايا مُحرجة وخارجة عن الموضوع الأصلي الذي هو إنهاء حكمه وترك سوريا لشعبها.. فرّخ ويفرّخ مشاكل سياسية وأمنية وعسكرية كبيرة لمحيطه وللعلاقات الدولية سواء بسواء، من تركيا إلى محور موسكو واشنطن!
فعل ذلك بكل زخم. وترك الدهشة مصاحبة للبصيرة وغالبة للمنطق السوي.. كان الافتراض قبله، أن عالم اليوم لم يعد يحتمل الطغيان الدموي المتأتي من صراع على السلطة. ولم يعد يحتمل المجازر والإبادة والتهجير الجماعي. ولم يعد يحتمل أو يستوعب رؤية ذلك الكمّ والنوع من البطش الأرعن الفالت من كل عقال ورباط.. وان الأنسنة في بديهياتها صارت أقوى بكثير من الأدلجة والقوالب الفكرية المسبوكة بأطر وشعارات الخلاص و"تنظيم" الاجتماع المديني والسياسي والقانوني. لكن تبين معه تحديداً، أن الصفحة لم تطوَ بعد. وأن النُظم الشمولية وارتكاباتها ومظاهرها تُنازع لكنها لم تمت. وأنها بالأحرى، تمكنت في لحظة الحرج من اعتماد "النموذج الصيني" وقولبته وفق مناخها المحلي: انفتاح اقتصادي حديث مأخوذ من ليبرالية السوق في المال والتجارة وبما يتماشى مع العصر والزمان، لكن في سياق نظام أحادي أمني حديدي، لا مكان فيه لضرورات الليبرالية وشروطها وفي مقدمها الحرية بكل صنوفها ومراتبها وتفاصيلها وبحورها وشطآنها.
تمكنت تلك الأنظمة من السباحة في بحر ليس لها. ولا تزال قادرة على تنظيم وفلاحة حقول القتل والمجازر الجماعية وتسييجها بالأدلجة والسياسة والكلمات الكبيرة. مُحوّلة الصراع على السلطة إلى حروب إثنية وطائفية ومذهبية لا تحسب أي حساب للعنصر البشري بل تضعه في المطحنة جنباً إلى جنب مع الآلة العسكرية والبنيان المؤسساتي والخدماتي التحتي والفوقي سواء بسواء.
قبل بشار الأسد بقليل، كان الظن أن تلك الأنظمة صارت أو تكاد خارج التاريخ حُكماً. وخارج زمن الفضائيات والاتصالات و"روح" منظمة التجارة العالمية.. خارج العولمة الإنسانية المتأتية من العولمة التبادلية التجارية والثقافية، لكن معه يتبيّن أن الأمر لم يُحسم تماماً، وأن منطق الوحوش المتكلمة عن "سعادة" البشر من خلال نحرهم، لا يزال يجد مراعي خصبة لضواريه.. وأن مؤشرات القوة الكامنة في آليات العمل الديموقراطي في دول الحضارة والتمدن والرفاه، هي ذاتها عوامل الضعف في قرارها، خصوصاً عندما يختلّ المنطق من أساسه، وتصبح المواجهة غير تقليدية ومحصورة فوق خشبة يتصارع عليها الناس في جانب والكواسر في جانب آخر!
يُدهش بشار الأسد في المدى الذي يذهب إليه لمواجهة الثائرين عليه والباحثين عن حريتهم وكرامتهم وعزّة نفوسهم. ويدهش أكثر، أنه مستمر في ذلك رغم علمه اليقيني بأن حربه خاسرة ولو ربح في سياقها معارك متفرقة، وأن سوريا الغد، أيّاً كان "شكلها" ونظامها لن تترك له مكاناً فوق أرضها.
..دعاني صديقي أسعد حيدر إلى أن أتذكر نيرون روما. فعلت وفطنت: مسكين نيرون روما، أين هو من بشار سوريا؟!