كلما وجدتم أمراءَ جماعةِ السلاح يصرخون متوتّرين جرّاء انقلاب المشهد السوري رأساً على عقب، إعلموا أنّ هذه الحالة ستتطوّر تباعاً، وكلّما سمعتم بحصول تحرّكات من "نظام ولاية الفقيه" في اتّجاه البحرين أو اليمن، إعلموا أنّ تطويق هذا النظام جارٍ على قدمٍ وساقٍ، فمحاولة مدّ النفوذ الإيراني في البحرين وحّدت دول الخليج في مواجهة إيران، لا سيّما وحدة الموقف بين قطر والسعودية، وصولاً إلى المناداة باتّحاد دول الخليج العربي. هذا ومن دون التطرّق إلى الدرع الصاروخية الخليجية التي جرى الحديث عنها إثرَ انكشاف نيّات النظام في إيران، وقد تلقّت هذه الأخيرة رسالة شديدة اللهجة في البحرين، وأنّ الرئيس اليمني يكاد كلّ يوم يذكّر إيران بوجوب التوقّف عن التدخّل في الشؤون الداخلية لليمن.
وفي مكان آخر تظهر جليّة آثار سقوط النظام في سوريا، بعدما تخلّت كلّ من حماس في الداخل السوري والداخل الفلسطيني عن هذا النظام كما ترافق هذا الأمر مع نشوء ما يُعرف بالقوى الدينية المناوئة لحلفاء سوريا في لبنان، منها حالة الشيخ أحمد الأسير في الجنوب وتعاظم حمل السلاح شمالاً أو حتّى في مناطق أخرى بُغية مواجهة "حزب الله" وأعوانه.
"حزب الله" يتهيّأ بصورة جدّية لمرحلة ما بعد الأسد، وإن بصورة خفيّة حتى الساعة، لأنّه مدرك جدّاً لعواقب هذا السقوط. فالصواريخ التي كان النظام في سوريا يمدّه بها لن تجد طريقاً إلى بيروت إذا ما حكم الثوّار سوريا، بل إنّ ما ستُقدم عليه سوريا المحرّرة هو الموافقة على ترسيم الحدود مع لبنان بدءاً من مزارع شبعا تنفيذاً للقرار الرقم 1680، وتسهيلاً لدخول السيّاح العرب إلى لبنان، وتطويراً لحركة التبادل التجاري بين البلدين من دون مزاجية أو عرقلة مقصودة لحركة النقل بين البلدين، وهي حكماً لن تستقبل "المقاطعجيين" اللبنانيين أي أزلام النظام، إذ سيستحيل عليهم زيارة الشام لتنفيذ أوامرها في لبنان مقابل مكاسب سلطويّة، وهذا ما سيزيد من بطالتهم السياسية، إضافة إلى افتقارهم أصلاً إلى مشاريع سياسية تخدم الدولة اللبنانية.
هكذا بدأت دماء الشهداء تُثمر حرّيةً سيبزغ فجرها قريباً، بعدما قضي على العقل الأمني لهذا النظام وبأسلوب اغتبطت له قلوب أمّهات شهداء زحلة والاشرفية، وارتاحت له دماء بشير الجميل وكمال جنبلاط ورينيه معوض، وما بينهما وبعدهما من شهداء، لا سيّما قافلة شهداء ثورة الأرز.
وما مِن نظام استعمل كلّ آلاته العسكرية لإبادة شعبه من تشليع وتقطيع للأجساد والرؤوس، ولم يردعه أنّ نسبة كبيرة من الشهداء هي من الأطفال، الا ودفع الثمن لاحقاً.ونذكر انّ ابنة الجنرال الصربي Ratco Mladic قد انتحرت عن عمر 23 سنة بسبب معرفتها بالجرائم التي ارتكبها والدها، لا سيّما منها مسؤوليته عن مجزرة سربرنيتشا، حيث حصلت مجازر جماعية وإبادة وجرائم ضدّ الإنسانية ذهب ضحيتها 8000 شخص من رجال وأطفال (ذكور فقط)، إذ تمّ فرز الذكور عن الإناث لمنعهم من الإنجاب من ثمّ تمّت إبادتهم، وها هو اليوم يمثّل أمام المحكمة الخاصة في يوغوسلافيا ليواجه عدالة الأرض قبل أن يواجه عدالة السماء.
وعندما يسقط هذا النظام، توقّفوا عن الشتيمة وتعالوا نطوي صفحة سوداء من التاريخ المشرقي حيث كان السلاح ينتصر فيها على الديموقراطية، أملاً في إنتاج نظام ديموقراطي مبني على الانفتاح بعيداً من التزمت والعصبيات البغيضة التي تحجب على الشعوب العربية دوراً طال انتظاره…