لا يمكن المرور مرور الكرام على موقف رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الأول من نوعه، والذي اعتبر فيه «أننا بحاجة، في هذه المرحلة بالذات، إلى حكومة استثنائية. فليسمونها ما يشاؤون. حكومة وحدة وطنية أو حكومة حيادية أو حكومة عمل أو إنقاذ. المهم أن تكون جامعة، وأنا لن أكون حجر عثرة أمام تشكيلها».
ولم يكتف ميقاتي بهذا القدر، بل ربط الحاجة إلى حكومة استثنائية بالتغييرات الشاملة التي تشهدها المنطقة برمّتها. وبالتالي، فإنّ أهمية موقف رئيس الحكومة تكمن في الآتي:
أولا، انه صادر عن ميقاتي نفسه الذي شكل منذ توَلّيه رئاسة هذه الحكومة غطاء لـ"حزب الله"، هذا الغطاء الذي تحول إلى عبء كبير مع اقتراب انهيار صديقه الأسد.
ثانيا، موقف ميقاتي يشكل إقرارا من قبله بأن عمر حكومته انتهى، لجهة أنها لم تعد تعبّر عن اللحظة السياسية التي يمر بها لبنان والمنطقة، حيث أن منطق الغلبة سقط إلى غير رجعة، فضلاً عن كونها لا تعكس التوازنات السياسية في البلد الذي هو بأمسّ الحاجة لحكومة تظللها كل القوى السياسية بغية توفير مظلة أمان في هذه المرحلة الدقيقة والخطرة.
ثالثا، موقف رئيس الحكومة يشجع رئيس الجمهورية ميشال سليمان والنائب وليد جنبلاط ليحذوا حذوه، خصوصا أن الرجلين ليسا بعيدين عن موقفه، فالأول يعبّر في مجالسه عن قناعته بضرورة قيام حكومة جديدة، ومواقفه الأخيرة من رسالة الاحتجاج على الاختراقات السورية إلى رفض غلبة السلاح تظهر مدى اختلافه مع توجهات المكوّن الرئيسي للحكومة الميقاتية، أمّا الزعيم الدرزي فينتظر تحديد موعد له مع الملك السعودي، علماً أنّ ما بعد هذا الموعد لن يكون كما قبله، فضلاً عن أن تأييده خطوة 14 آذار مقاطعة الجلسة الحوارية السابقة ربطاً برفض الحكومة تسليم الداتا شكل إشارة أولية لناحية استعداده الانسحاب من الحكومة أيضا، هذه الحكومة التي اعتبر أن الظروف التي أتت بها ما زالت قائمة، في إشارة طبعا إلى النظام السوري.
رابعا، موقف ميقاتي يؤدي إلى إرباك "حزب الله" وحشره، فرئيس الحكومة لم يلوّح بالاستقالة "قرفاً" من ممارسات التكتل العوني المدعوم من الحزب والذي ينعكس شللاً على العمل الحكومي، إنما أكد أن طبيعة المرحلة تقتضي تغييرا حكوميا، بمعنى عدم رغبته أو استعداده الاستمرار في قواعد اللعبة نفسها بعد أن طرأت تبدلات جوهرية عليها.
خامسا، موقف رئيس الحكومة يساهم في فتح النقاش على مصراعيه في تشكيل "حكومة استثنائية"، خصوصا أن هذا الموقف ليس صادرا عن قوى 14 آذار التي عبّرت مرارا عن رغبتها في قيام هذا النوع من الحكومات في ظل المرحلة الانتقالية التي تجتازها البلاد، بل صادر عمّن يتولى رئاسة هذه الحكومة بالذات، الأمر الذي سيضعه بشكل مضمر أو معلن في مواجهة مع "حزب الله".
لا يعني موقف ميقاتي أن الرجل سيقدم استقالته غداً ويطيح الحكومة، فهو غير مستعد، على غرار سليمان وجنبلاط، أن يتحمّل مسؤولية إطاحتها، وبالتالي موقفه يندرج في إطار تهيئة ظروف ومناخات رحيل هذه الحكومة من جهة، وجسّ النبض وإطلاق إشارات أولية في هذا الاتجاه من جهة أخرى.
يدرك ميقاتي أن مصير حكومته آيل إلى السقوط الحتمي ربطاً بالتطورات السورية، وإذا كان لا يريد أن يتحمّل وحده "دم الحكومة"، فهو بالمقابل أراد استباق التطورات وتسجيل موقف متقدم يضيفه إلى مواقفه من تمويل المحكمة الدولية والتمسّك بصلاحيات رئاسة الحكومة ومواجهة المحاولات العونية تهميشه وتظليله بعض الرموز السنية في الإدارة غير المحسوبة عليه والتصرّف وكأنه المدافع الأول عن مصالح السنة، وكل ذلك في محاولة للتغطية على الخطيئة الأصلية المتمثلة بقبوله رئاسة الحكومة على يد "حزب الله"، أو لتعزيز رصيده المحلي والعربي والدولي إفساحا في المجال أمام أدوار لاحقة يمكن أن يتولّاها.
