ليست واشنطن في وارد التدخّل الحاسم في سوريا، إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية. لذلك، فإنّ ما ينتظر سوريا في «حرب المئة يوم» الفاصلة عن الانتخابات وبعدها شديد الخطر وأكلافُه مرتفعة جدّاً.
عمليّاً، دخلت سوريا في حرب أهلية، كِلفتُها نهرُ دماء لا يمكن تقدير حجمه. وفي الأسابيع الأخيرة، بدأت تلوح أَبعادٌ كان يخشاها المتابعون، وقد تؤدّي إلى تشقُّقات في الجغرافيا السورية، كرديّاً وعلويّاً وسنّياً.
وعلى رغم ذلك، تبدو سوريا متروكة لمصيرها منذ 16 شهراً. فالمجتمع الدولي يماطل، والبيت الأبيض دخل في مناخ المعركة الانتخابية… لا في مناخ المعركة في سوريا. ولا يبدو الرئيس باراك أوباما في الأشهر الثلاثة المقبلة، وهي أشهُرٌ حسّاسةٌ من ولايته، مستعدّاً أو قادراً على خوض مغامرة خارجية، فيما منافسه الجمهوري القوي ميت رومني يتحيّن الفرص لاستغلال نقاط ضعف داخلية لدى الرئيس، أبرزها التباطؤ الاقتصادي.
ومع بدء آب، تبْلغ حرارة المعركة أوجَها في واشنطن. وتشير الاستطلاعات إلى أنّ أوباما يتقدّم في شكل طفيف على منافسه الجمهوري. ويستعدُّ الحزبان لعقد مؤتمريهما الرئاسيّين في أواسط آب ومطلع أيلول. ثمّ يخوض المرشّحان المتنافسان ثلاث مناظرات انتخابية في تشرين الأوّل. ولا يتوقع الخبراء أن تخطو إدارة أوباما أيّ خطوة تساهم في حسم الوضع في سوريا، في ظلّ هذه الانشغالات، وخوفاً من أيّ دعسة ناقصة.
وهذا الانطباع تبلّغته مجموعة الضغط السورية الناشطة في الولايات المتّحدة، والتي كانت تُلحُّ على الإدارة أن تتدخّل بما تملكه واشنطن من طاقات لإسقاط الرئيس بشّار الأسد. ففي البداية، فشلت هذه المجموعة في تحريك الولايات المتحدة والغرب للقيام بعمل عسكري حاسم. ثمّ أخفقت في الاستحصال من واشنطن على معدّات وذخائر نوعية لـ"الجيش السوري الحرّ". وتتركّز المطالب خصوصاً على المضادّات للدبّابات والطائرات، ما يتيح لـ"الجيش الحرّ" مواجهة جيش النظام.
وعلى رغم الانشقاقات والضربة التي تلقّاها باستهداف مجموعة من قادته، ثمّة اقتناع لدى عدد من المحلّلين بأن لا "كلمة سرّ" لدى واشنطن والقوى الغربية الأخرى لفرط الجيش السوري الموالي للنظام نهائيّاً في الوقت الحاضر. والتريُّث في هذا المجال مردُّه إلى الخوف من تداعيات داخلية واستراتيجية. والأبرز هو احتمال وقوع أسلحة كيماوية، وربّما جرثومية، في أيدي مجموعات غير منضبطة، وانفلات المعابر الحدودية، ومخاوف إسرائيل الاستراتيجية من حال الفوضى.
وأظهر أوباما رغبة في تأجيل حسم كثير من الملفّات الدولية الساخنة إلى ما بعد الانتخابات، ولا سيما منها تلك التي تتطلّب اتّفاقاً مع روسيا، كالدرع الصاروخية. كذلك فإنّه أوفد مستشاره للأمن القومي توماس دونيلون في جولة شملت الحلفاء الغربيّين وإسرائيل للإبلاغ إليهم الموقف من الملف السوري، والاستماع إلى وجهة نظرهم.
نحو المجهول
يعني ذلك، وفقاً للمحلّلين، أنّ الأشهر المتبقّية من سنة 2012 لن تشهد تغييراً في نمط التعاطي الأميركي والغربي مع الملف السوري. وستكون هناك فترة استعدادات للعهد الجديد، سواء كان بقيادة أوباما أو منافسه الجمهوري، ليتمكّن من اتّخاذ خطوات حاسمة، إذا ما قرّر ذلك. وتترقّب موسكو وبكين هذا التريّث الأميركي باهتمام بالغ، لأنّه يتيح مجالاً أكبر للمضيّ في دعم الأسد.
إلّا أنّ هذا الجمود في الموقف الغربي إلى ما بعد الانتخابات الأميركية، أي إلى مطلع 2013، يناقض الدينامية البالغة السخونة والسرعة على الأرض في سوريا. وفي ظلّ توازن الرعب القائم، تزداد حدّة المخاطر على سوريا. والتطوّرات الميدانية تُقاس بالأيام فيما المسافة إلى الانتخابات الأميركية تُقاس بالأشهر. وستفرض الحرب ومحطّاتها الحاسمة، ومنها معركة حلب، وقائع جديدة في جغرافيا الخرائط السياسية والعسكرية تخرج عن سيطرة الجميع… وقد تفرز أبطالاً جدداً ينبغي التعاطي معهم. فسوريا الآتية بعد هذا الزلزال لن تكون هي نفسها سوريا السابقة.