اعتراف رئيس الحكومة نجيب ميقاتي بأن الاوضاع في لبنان، تستوجب قيام حكومة استثنائية لمواجهتها، وهو لن يكون حجر عثرة امام قيامها، ولكن يفترض، والكلام ما يزال لميقاتي، توافق مختلف الافرقاء على شكل الحكومة والمهام التي تنتظرها، حتى ولو كان اعترافاً متأخراً بفشل حكومته في التصدّي للاوضاع الصعبة التي يمر فيها لبنان، وستزداد صعوبتها مع توسع دائرة العنف والقتل في سوريا، الا ان صحوة العقل والواقعية هذه، يمكن البناء عليها، للاسراع في تشكيل الحكومة الاستثنائية وتقديم الدعم السياسي الكامل لها، على امل ان توفق في وقف الانهيار الاقتصادي، وتحول دون وقوع لبنان في فوضى امنية واسعة، تكون مدخلاً لفتنة مذهبية وطائفية، قد تؤسس لحرب جديدة، تسقط الهيكل اللبناني على رؤوس جميع ابنائه، وليس على رأس فريق او طائفة او مذهب، دون غيرها.
الخلل البارز في تصريح ميقاتي، والذي يشير الى استمرار تمسكه بالسلطة، اشتراطه التوافق المسبق على الحكومة التي يفترض ان تخلف حكومته العاقر، الا عن انجاب الكوارث والمشاكل والخلافات، لان ميقاتي يعرف تماما صعوبة التوافق المسبق بين الافرقاء المتخاصمين، ويعرف اكثر ان قوى 8 اذار ستعرقل قيام اي حكومة لا تتحكم هي بسياستها، وبالوزارات الاساسية التي تسمح لها بابقاء هيمنتها على الدولة، وبالتالي فانه اذا كان مؤمنا حقاً بوجوب تشكيل حكومة استثنائية، عليه وضع الجميع امام مسؤولياتهم وخصوصاً قوى 8 اذار، بافهام هؤلاء من خلال تقديم استقالة حكومته، ان الحكومة اصبحت مشلولة شللاً تاماً، ولم يعد ينفع معها اي علاج او اي محاولة انعاش في غرف العناية الفائقة التي يديرها عرابو الحكومة، وخطوته هذه ستصيب هدفين باستقالة واحدة، الاول يبقي ميقاتي رئيساً لحكومة تصريف اعمال، بحيث لا يقع لبنان في الفراغ، والثاني يحفّز الافرقاء على التفاهم السريع، من ضمن اللعبة الديموقراطية والاصول الدستورية التي ترعى تشكيل الحكومات في لبنان.
* * *
من جهة ثانية، يمكن القول ان الفراغ الحكومي يبقى افضل بكثير من حكومة، تتفوق عليها بلديات عدة في تسيير شؤون المواطنين، وقد يسمح هذا الفراغ في نسب معينة، لعدد من الوزراء بان يقوموا بمهامهم افضل بكثير مما هم عليه اليوم، لانهم سوف يرتاحون من التجاذبات السياسية والنفعية والشخصية ضمن الحكومة الواحدة، وينصرفون الى تصريف امور الناس وتيسيرها بالتي هي احسن، وقد تعطي استقالة الحكومة فرصة اكبر لرئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان بعد التجربة المرة التي عاشها مع هذه الحكومة، وعرف بالممارسة اليومية، من هو الافضل ترشيحاً على رأس هذه الوزارة او تلك، ويمكن ان تكون اتصالاته الحثيثة والمكثفة مع مختلف الافرقاء لتأمين حوار منتج ومفيد، فرصة اضافية لخلق اجواء ايجابية مؤاتية للتفاهم على خطوط عريضة لتشكيل حكومة استثنائية تحمي لبنان من تداعيات القتال في سوريا، وتهتم باعادة الهيبة الى الحكم والمؤسسات، وفي مقدمها المؤسسات الامنية، وتصويب ما افسدته الحكومة داخلياً، وتهيئة المواطنين في الداخل وفي عالم الانتشار الى انتخابات نيابية حرة ونزيهة وديموقراطية، تؤسس الى عمل جاد يحقق ما لم ينفذ حتى الان من اتفاق الطائف، وتواكب التغييرات الجذرية التي تجتاح العالم العربي.
هذه الانجازات وغيرها التي يحلم بها المواطنون، لا يمكن ان تتحقق على يد حكومة ميقاتي، وهذا امر اكيد، ولكنها قد تتحقق على يد حكومة استثنائية وهذه الفرضية تبقى اقوى من العدم الذي نعيشه اليوم، ولكن المهم ان يقرن ميقاتي القول بالفعل، ويقدّم استقالته افساحاً في المجال امام فرصة للتغيير، يستحقها الشعب اللبناني بعد طول معاناة.