#dfp #adsense

“الجمهورية”: القضاء يرفض أن يكون كبش محرقة الـ«داتا» والسياسيين

حجم الخط

كتب جورج شاهين في صحيفة "الجمهورية":

أمّا وقد نجح رئيس الجمهورية في اجتراح الحلّ لملف «داتا» الاتّصالات بما فيها الـ«ايمزي»، فقد عبّر جميع المعنيين بهذه القضية عن ارتياحهم إلى الآلية الجديدة التي اعتمدت. وهو ما أدّى بالقضاء ليضيف إلى ارتياحه تأكيداً أنّه لم ولن يخرج عن القانون، وأنّه يرفض أن يكون كبش محرقة. فكيف السبيل إلى هذه القراءة؟

يعترف المراقبون أنّ ملفّ "داتا" الاتّصالات بما فيها تلك المتّصلة بـ"الإيمزي" قد استأثر على كثير من النقاش، حيناً بحقّ وأحياناً بباطل، خصوصاً عندما صدحت بعض الأصوات والمواقف التي لا تميّز بين مكوّنات "داتا" الاتّصالات من دون أن تفهم معناها وحقيقتها وتلك المتفرّعة منها حتى باتت بعض العبارات مستخدمة في غير مكانها التقني، الفنّي، القضائي والإداري. والأهم من كلّ ذلك عن معناها القانوني وما نصّ عليه القانون 140 المعمول به لتنظيم هذا القطاع من جوانبه كافّة.

ملاحظات

ويقول العارفون إنّ هذه الملاحظات في محلّها، خصوصاً بعدما تحوّل الملفّ عنواناً لتصريحات أُطلقت على كلّ شفة ولسان ليبني عليها البعض ترتيباً للمسؤوليات المُلقاة على السلطتين السياسيّة والقضائيّة بلا تفرقة بينهما، فبات البعض يعتقد أنّ هؤلاء، أو بعضاً منهم، هم من المسؤولين عن مسلسل الجرائم ومحاولات الاغتيال التي ارتُكِبت حتّى اليوم، أو أنّهم يعوقون التحقيقات الجارية فيها لحماية الجناة.

على هذه القواعد، يرفض القضاء اللبناني أن يكون من بين الذين طاولتهم الاتّهامات حتى الآن، ودعا المكلّفون إدارة هذا الملف القيادات السياسية والحزبية إلى تنظيم الخلاف في ما بينهم، فأعضاء الهيئة القضائية المستقلّة المنوط بها التثبّت من قانونية إجراءات الاعتراض الإداري على المخابرات الهاتفية ترفض بكل أعضائها أن تكون في الاصطفاف السياسي بين 8 و14 آذار أو في أيّ موقع آخر غير الموقع القانوني، ولم ولن تعمل إلّا بِهَدي ما قال به القانون الذي نظّم عملها وحدّد المسؤوليات.

وعليه، فإن أعضاء الهيئة يعتقدون صادقين أنّهم لم ولن يخرجوا عن هذا القانون فعندما كُلّفوا، وهم ثلاثة من الكبار في السلك القضائي، هذه المهمّة قبلوها طوعاً من أجل تطبيق القانون وليس من أجل تجاوزه، وسبق لهم أن رفضوا إعطاء "داتا" المعلومات في حالات معيّنة وعلّلوا الرفض بقرارات مُبرمة لها أسبابها الموجبة ورفعت إلى المراجع المعنيّة عندما اتّصل الأمر بالخروج على القانون وما يقول به.

ويضيف المطّلعون: "لقد سبق للهيئة أن وافقت على إعطاء "الداتا" في حالات عدّة بصمت ومن دون أن توجّه كتاباً إلى أحد، وعلّلت رفضها في حالات أخرى في قرارها الشهير تحت الرقم 33/ 2012 والذي صدر في 10 نيسان الماضي وما زالت على رفضها إذا اتّصل الأمر بطلب مشابه.

القانون هو هو

ولكن ما الذي تغيّر أمس؟ وما هي الآليّة الجديدة التي ابتدعها رئيس الجمهورية في لقاء 21 تمّوز الماضي لتصبح الأمور مقبولة فتتسلّم الأجهزة المختصّة التي تتولّى التحقيق في الجرائم المختلفة "الداتا" الكاملة ومعطياتها بما فيها الـ"إيمزي"؟

تقول مصادر إنّ القانون المعمول به بقي هو هو، لكنّ الآلية التي ستلجأ إليها المراجع الأمنيّة والإداريّة هي التي تبدّلت، لا بل نُظّمت، ومعها المعطيات التي يجب أن تأتي على ذكرها بعد تحديدها بوجوهها الأمنيّة والتقنيّة والجغرافيّة.

نماذج من الآلية الجديدة

ففي الحالات التي تُطلب فيها "الداتا"، يجب أن تكون مُحدّدة في مناطق معيّنة وليس على مستوى لبنان بكامله، ففي الحالة التي تُطارد فيها الأجهزة الأمنيّة شبكة إرهابية مثلاً، عليها أن تُحدّد في طلبها المسرح المتوقّع لعمل هذه الشبكة، فيقال إنّها في حاجة إلى هذه "الداتا" عن أقضية جبل لبنان والجنوب مثلاً، أو ما بين البقاع والشمال بالنظر إلى الترابط القائم بين اتّصالات مجموع أفراد الشبكة الإرهابيّة وأماكن تحرّكاتهم.

وإذا طلبت "الداتا" الخاصّة بمحاولة اغتيال رئيس حزب "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع أو النائب بطرس حرب مثلاً، عليها أن تُحدّد مسرح الجناة والمناطق التي يحتمل أنّهم تحرّكوا فيها قبل الجريمة وخلالها وبعدها، فتُعطى لهم وفق الخريطة المحدّدة وليس على مستوى لبنان بكامله من دون أيّ نقاش.

على هذه القواعد والخلفيّات، تجاوبت الهيئة مع مقترحات رئيس الجمهورية والتي بُنيت على خلفية الاستهدافات التي باتت الساحة اللبنانية مسرحاً لها والظروف الاستثنائية التي يعيشها لبنان والمنطقة ولائحة الاغتيالات المُحتملة والتحذيرات التي أطلقت في شأنها من الداخل والخارج. وهي، أي الهيئة، لا يمكنها عندما تبني قرارها بالرفض أو القبول أن تكون متّهمة إمّا بتسهيل الاغتيالات أو التغاضي عن محاولات كشف المجرمين، فمسؤولية أعضائها القضائيّة لا تهدف إلّا إلى مواجهة هذه الحالات ومحاسبة المخلّين بالأمن ومكافحة الإرهاب في البلاد، خصوصاً أنّ أمن شخصيّاتها وقياداتها السياسيّة والحزبيّة والوطنيّة جزء من هذا الأمن، ولا يمكن فصله عن أمن البلد ككلّ.

لا مشكلة مع أحد

ويختم العارفون بموقف أعضاء الهيئة قائلين: "ليس لديهم أيّ مشكلة مع أحد وهم مسؤولون على مستوى أمن الدولة والشعب إلى جانب المكلّفين هذه المهمة الكبيرة، وأنّ كل الضغوط السياسية مهما كانت لن تغيّر في اقتناعهم، بل إنّ القيادات الأمنية والسياسية هي التي بدّلت في اقتناعها وآليات عملها وهي ستكون على تعاون خالص ومخلص معهم لا تشوبه شائبة لا في الشكل الإداري ولا في المضمون القانوني ولا في المسؤوليّة الوطنيّة التي يتقاسمها الجميع في أيّ موقع كانوا. ولذلك، يأمل القضاة أن يعرف الجميع أنّهم يرفضون أن يكونوا كبش محرقة في معركة سياسية على أيّ مستوى كانت. وهم رحّبوا ويرحّبون بالتفاهمات السياسية التي باتت تتحكّم بكثير من الملفّات الوطنية، فمتى فُقِد هذا التفاهم لن تكون قادرة على التعويض عنه أو تجاوزه. وإذا توافر هذا التفاهم ينجح الجميع: الرؤساء، القادة الأمنيّون، الوزراء، القضاة، المحققون والسياسيون، ومعهم لبنان.

الامتحان للانتصار

وختاماً، وعلى رغم ذلك كله، تبقى الإشارة ضرورية إلى أنّ التلاعب السياسي بالجسم القضائي لن يكون في مصلحة أحد. ومَن يعتقد أنّه سيكون المنتصر في مثل هذه المعارك فهو مخطئ، لأنّ الانتصار لن يكون إلّا للوطن كاملاً، وملء الشواغر في مجلس القضاء الأعلى والنيابة العامة التمييزية جزء من المؤشّرات الدالة إلى احتمال النجاح، وإلّا فالعكس صحيح.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل