يُقاتل بشّار الأسد بأسلحته الثقيلة وعلى جبهات عدّة، مع أنه يعرف أكثر من غيره، أن بعض تلك الأسلحة لم يعد ينفعه كثيراً.
يرسل جيشه الى حلب. ويرسل في موازاته ذلك ضخّاً متواصلاً من الإعلام الحربي النفسي التمهيدي في عُرف أصحابه للحرب الفعلية.. هكذا مثلاً، كانت دباباته وكتائبه تنسحب من جبل الزاوية وتتجه الى ضواحي الشهباء، فيما ماكينته الإعلامية تتحدث عن "أم المعارك"، ووزير داخليته يظهر بعد غيبة غامضة تلت انفجار "مكتب الأمن القومي" و"يظهر" معه صوته أقوى من صورته وهو يهدّد "باستئصال الإرهابيين"، وذلك وغيره على وقع أهازيج الانتصار بـ "تحرير" دمشق واستبدالها في أذهان العامة الممانعة بالقدس نفسها طالما أن الجولان لا يفي بغرض التفخيم والتعظيم والتدليل الى سطوة النظام وبطشه وبأسه ويأسه.. ومع ما سبق وفوقه كان إعادة تظهير وزير الخارجية بعد طول غياب، وإرساله الى طهران واكتشافه من هناك أبعاداً كونية جديدة للمؤامرة على سوريا لم يكن سابقاً قد اكتشفها عندما محا أوروبا عن الخارطة، وإعلان مضيفيه الإيرانيين بيانات وتصريحات طنّانة وذات شأن، وآخرها بالأمس عن توقع إلحاق الهزيمة الإلهية الجديدة بالمحور التركي الإسرائيلي في سوريا.. حتى ليخال المتلقّي في النتيجة الأخيرة لكل ذلك، أن جبابرة الأسد سيمحون أهل حلب عن وجه الأرض، وأن الثورة السورية في جملتها ستُمنى بهزيمة لن تقوى من بعدها على الاستمرار!
لكن وقائع الميدان تكذّب أخبار البيان: منذ ثلاثة أيام والهجوم "الروملي" المدرّع على حيّ صلاح الدين في حلب لم يؤدِ إلا الى إلحاق خسائر فادحة بالمهاجمين. وفيما كانت ماكينة إعلام الأسد تعلن "تحرير" الحي المذكور، كانت كاميرات الثوار تكشف أن المهاجمين لم يتقدموا متراً واحداً!.. والأنكى من ذلك هو أن الأنباء استمرت تتواتر من دمشق وحمص عن استمرار المواجهات في الأولى، وتأكيد سيطرة المعارضة على الجزء الأكبر من الثانية، رغم أن إعلام الآلة الأسدية كان "أخبر العالم أنه قضى ومحا واستأصل وأباد الإرهابيين في المدينتين وخصوصاً بعد بابا عمرو!.
شواهد كثيرة يمكن إضاعة الوقت في عرضها للدلالة على عقم الأسلحة التي يتوسّلها الأسد كي يبقى في مكانه وتبقى سلطته الفئوية راكبة على ظهور السوريين واللبنانيين والفلسطينيين والعراقيين، لكن ذلك في مجمله، لا يعني أبداً التخفيف من أثمان وأكلاف الصخب الدموي المصاحب لسقوط تلك السلطة.