#dfp #adsense

رسالة في زجاجة

حجم الخط

 لم تتوقف وداعات فؤاد الترك في "النهار". في امكان اللبناني ان يعيش حيثما يشاء، الوداع هنا. مراسم الغياب ورقيم المآثر، هنا. الصنوج و"الآفيه ماريا"، في "النهار". هنا يرثي الناس احبابهم واصدقاءهم، مشهورين او من دون شهرة. وكان المرحوم ملحم كرم يملك مطبوعات بكل اللغات، ومع ذلك اودع رثاته كلماتهم "النهار".

كان فؤاد الترك اعزب، وحيدا، لا مال ولا نفوذ. لكن الناس اجمعت على رثائه اثرا وطنيا ومثالا خلقيا. اظهرت تحيات الموت كم ان غياب الكبار صار فادحا في بلد يكتظ بالصغار، حمقى ووقحاء وبلا اي ضوابط او معايير. صفوف من البياعين ينفخون في ذواتهم ويحقرون في الآخرين ويقزمون في لبنان.

تمثل الصحافة اللبنانية، في تنوعها، معالم ووجوها واحلاما وافكارا عدة. لكن "النهار"، هذه الاولى عمرا، لا تزال تحتفظ بواجب التعزية واعلان الفقدان. باحة المسجد او باحة الكنيسة. تشبه نقطة التجمع في المطارات، حيث يلتقي الآتون من كل جهة، للسفر في رحلة واحدة. حفرها هكذا، غسان تويني، في صدر لبنان وفي افئدة اللبنانيين. كان له صلابة هرقل وعقل افلاطون. وتلك كانت قيمة "النهار" التي صنع وانشأ: يتعب الجسد وتبقى الروح. فليبتذل الساقطون وينحط الصفقاء، فسوف تبقى هي حائط الضمير، وغريمة الكذَبة والفريسيين.

تنقل فؤاد الترك في جهات الارض، وقرئ رقيمه الوطني والانساني في "النهار". لا، ليس في زحلة، فليست هي دائما على مستوى ما تلد او في صدق ما تعد. لعوب مثل باقي المدن، تقول ان مجدها سعيد عقل وتسحب منه كرسي احلامه الصغيرة. لم تعثر لفؤاد الترك على مقعد في لائحة، ولم تفكر في تمثال لنجيب حنكش الذي جعل اسمها يتكرر بمحبة مثل اناشيد الاطفال. زحلة مثل بيروت، التي لم تطلق اسم ريمون اده على شارع بارز. البولفارات محجوزة سلفا.

كان فؤاد الترك قنصل لبنان العام في نيويورك. كان سهيل شماس يأتي من الامم المتحدة ليزوره. وسرعان ما لاحظ ان القنصلية بيت، فقال جملته "فؤاد الترك هو قنصل العموم، وليس القنصل العام". اينما كان، كان الناس يشعرون بانه يمثل احلامهم وافكارهم. ليس كبطل، بل بما هو اهم واصدق واعمق، اي كإنسان عادي يعرف مشاعر البشر ويحترمها، ولا يفرض اناه الغليظة عليهم، وعلى ابنائهم، وعلى احوالهم، وعلى اعمالهم.
بقي فؤاد الترك الجسر الاخير بين الرئيسين امين الجميل ورشيد كرامي. وانصرف الآخرون الى رعاية المذابح او التسبب بها. تفرّق موظفو الدولة خلف فرقهم وزمرهم، مدنيين وعسكريين، وبقي امينا على وظيفته "عند لبنان"، كما كان يحلو له ان يقول. لا اذكر نشاطا وفاقيا غاب عنه فؤاد الترك، ولا اذكر حفلة تنكرية مؤذية مضرة وهرائية حضرها. هراء، بالهاء.

كان فؤاد الترك مثال الرجل الذي ينبغي ان يُسأل، وأن يصغى اليه. هذا اذا كان السياسي عاقلا، يعرف ان المعرفة ضرورة، والاصغاء واجب اخلاقي. لا علم بلا اصغاء. ولا معرفة ما لم يتواضع طالبها، بدل ان يمضي عمره عدْواً نحو جميع الجدران. في جميع الازمان. عمل اللبنانيون مستشارين في تأسيس ممالك العرب، من السعودية الى الكويت الى العراق الى الاردن. وكانت اليانور روزفلت تستشير شارل مالك في امر الامة الاميركية والانسان في امم الارض. وفي الكورة اشترى مقعده النيابي. ولا يزال الكورانيون وزملاؤهم اللبنانيون يقولون ان شارل مالك حصل على كرسي الكورة، بالاونطة. هم ينتخبون رجلا آخر.

ذروة العمل السياسي، المستشار. مخزن النصائح، لا مخزن السلاح. فهذا عابر مهما طال. لعلني كتبت لجنابكم هذه الحادثة من قبل وحوالى العام 1983 كان قادة المقاومة الفلسطينية يأتون الى الكويت، حيث كنت اعمل. وخلال ندوة في "الانباء" مع صلاح خلف (ابو اياد) اعرب عن رغبته في ان يدخن سيجارة على الشرفة. وقفنا معا نتذكر بيروت. قلت له، من غير ان يكون في نيتي تكديس هم آخر فوق همومه: "ألم يكن من الافضل لو بقينا في لبنان، انت وانا؟ انا هنا لأعمل، لكن انت ماذا تفعل؟". كاد رجل "فتح" القوي يدمع، لكنه اختار الابتسام جوابا: معك حق.

كان الوقت قد تأخر على ادراك صواب الحكمة في التعاطي السياسي. وفيما كان ابو اياد قد صار وحيدا في الكويت، الا من بعض الاقارب والاصدقاء القدامى، كان اللبنانيون الذين اعتادوا ملء "مجلسه" كل يوم، يتبرأون منه، ومن جميع الأبوات. ويعلنون بصوت واحد انهم كانوا مكرهين. وهو التعبير الذي استخدموه بعد خروج الجيش السوري. واستعدوا الآن لسماع النادمين المقبلين، الذين بدأوا منذ فترة يبحثون عن الوصاية الجديدة لكي يعبّدوها ويهيئوا لها التقارير (القصائد سابقا) والحظايا. وكل شيء. اسمعوهم ماذا يقولون غدا. وقحاء لا يستحون، من مرحلة الى مرحلة. ممثلو الأمة. أمتكم، لا أمتي.

العند والكيد، من الخطايا لا من المزايا. لذلك يصغي المتعاطون شؤون الناس الى صوت المعرفة وصوت الضمير عند سواهم، اذا افتقروا اليهما. العاقل يستكمل ما لا يملك. كان السياسيون يمازحون الشيخ بيار الجميل لقصوره في اللغة العربية وتعجيمها دوما بالتعابير الفرنسية. فماذا فعل؟ ضم الى "الكتائب" ما استطاع من بلغاء لبنان. وفي المؤتمر السنوي للحزب كانت الناس تذهب لتسمع "كيف" يقول الخطباء وليس "ماذا": الياس ربابي ولويس ابو شرف ثم جيل ادمون رزق ورشاد سلامة. الحزب المتهم بالفرنسية، كان خطباؤه اساتذة الادب العربي في قلاع اللغة، يوم كانت هناك لغة، وكانت هناك قلاع.

تعلم سياسيو الماضي، في البيوت او المدارس، او حتى في الحارات، ان السياسة اصول والسلطة مراعاة. عارضت الكتلة الدستورية الكتلة الوطنية، لكنها لم تهجم عليها بالدبابات. أبعد بشارة الخوري اميل اده، ولكن اعطاه من الحرية ما اعطى لنفسه. حارب فؤاد شهاب كميل شمعون بكل الوسائل، الا العنف، لفظا او ممارسة. جاء كميل شمعون، بادئ الامر، بكمال جنبلاط ونصري المعلوف والبر مخيبر وسليم حيدر وشارل مالك. وجاء بشارة الخوري برياض الصلح وشارل حلو وسليم تقلا. وجاء فؤاد شهاب، مذ كان قائد الجيش، بتقي الدين الصلح وجورج نقاش ولويس الحاج.

هذا البلد نفسه طرد غسان سلامة من وزارة الثقافة. وابعد تقي الدين الصلح، بدل ان يعلنه مستشار الوطن الى الابد، باعتبار ان الابد صار مجرد ولاية او عهد، لا يعرف احد كيف يتحول. ليس لنقص في حدس الرؤية عند الناس، بل لاغترار بالنفس عند اصحاب الابد والبلدان المؤبدة.

بعثت إلي استاذة جامعية من اصدقاء "النهار" بالرسالة الآتية:
"اذا الحوا عليك بالسؤال لمن تكتب، ابعث اليهم بما قال امبرتو ايكو: الشيء الوحيد الذي يدفع الكاتب الى الكتابة، هو ان يترك رسالة في زجاجة ويرسلها في البحر، فيشعر من يتلقاها بان الاشياء التي تبدو حسنة لنا، لا تزال تبدو ممكنة ايضا".

شكرا، هذا تقريبا ما افعل. اعبئ هذه الزجاجة رسائل يكتبها اصحاب هذا الوطن الذين يضطهدهم محتلوه وجلاوزته. هل رأيت الموظفة التي قالت على التلفزيون: "انا موظفة منذ ثلاثين عاما راتبي مليون ليرة في الشهر واحصل على زيادة من 30 الف ليرة كل عامين". 10 دولارات في الشهر.

في اليوم نفسه كتبت ميشيل تويني ان وزير الكهرباء مفجوع لأن انقطاع التيار ارغم زوجته على الاحتفال بعيد ميلادها في المطعم بدل المنزل، كما وعدت الصديقات. لماذا لا يأكلن بسكوتا؟

كم هو عدد اللبنانيين الذين يتذكرون "اعياد" ميلادهم؟ لقد صار هذا بلد الشموع. وقد اطفأ فؤاد الترك قنديله برفق وهدوء كعادته ثم مضى الى عالم، مهما كانت ظلماته فهو اكثر انارة، ومهما كان ظلمه فهو اقل مما حل بلبنان. لقد دمّرنا، كما دمر سوانا، شبق الفساد ووحش الازدراء. كل ما نراه هنا، او في العالم، سببه الفساد. الباقون عبيد عنده واذلاء على اعتابه، مهما بدوا مفزعين. ليسوا سوى جلادين بأجور مرتفعة وتعويضات عالية. سقط زين العابدين بن علي يوم قررت ليلى طرابلسي انها تملك تونس. وسقط حسني مبارك يوم قررت سوزان مبارك ان تدلل جمال بدمية اسمها مصر. ينخر الفساد عظام الامم، شرقا وغربا. لكن الفقراء يدقون بايديهم خزنات السراقين وصناديق الحديد المرقمة. لن يدعوهم يهنأون بها تحت اي سماء. سوف تعود الاشتراكية الحقيقية من باب فرنسا واسوج وكندا ويفقد بوتين نفسه تحت اطنان المال. لن يصرف الفاسدون والفاسقون والطغاة المال المسروق من الفقراء في اي مكان، من لا يهمه خوف الله يرتعد خوفا من الرجال

المصدر:
النهار

خبر عاجل