لبنان ليس وقته عند أميركا: بعد سوريا
نرى قيادات وأحزاب تقلق على مصائرها
بقدر ما تضغط واشنطن من أجل التغيير في سوريا تضغط في لبنان من أجل دوام الإستقرار. خلاصة يعود بها خبراء في السياسة الأميركية شكلوا عند مفاصل رئيسية ما عرف باللوبي اللبناني في الولايات المتحدة.
لا تحبذ الإدارة الأميركية تحريك الستاتيكو في بلاد الأرز. فليبق كل قديم على قدمه حتى إشعار آخر بصرف النظر عما يحصل اليوم وسيحصل غداً. وما به الرئيس نجيب ميقاتي؟ فهو يلبي كل المطلوب ولو على طريقته. وحكومته أيضاً تتجاوب في شكل لا بأس به، ولتتخبط في الأزمات كل يوم بيومه. أليس التخبط أرحم من الإنهيارات الأمنية والسياسية وفلتان المناطق والأحزاب والطوائف بعضها على بعض؟ واشنطن التي تتابع من كثب أوضاع الأمن في لبنان مارست ضغوطاً، بعضها ظهر في الإعلام من أجل ضبط الموقف، خلال حوادث طرابلس على سبيل المثال، وعلى الحدود مع سوريا. يجب أن يبقى لبنان هادئاً ما أمكن حتى يتحقق التغيير في البلد المجاور المتلظي بالمعارك. بعد ذلك نرى.
لبنان ليس وقته. كل العيون على سوريا التي تنسق واشنطن الحركة الدولية والإتصالات لإيصال ثورتها إلى نصرها المحتوم، وإن المجهول الوقت والأكلاف. يعطون وقتاً للوقت في الإدارة الأميركية ولكن ليس كثيراً وهي تلعب أكثر من ورقة. لا تقطع الأمل في تغيير الموقف الروسي وترى تطوراً لمصلحة الثوار وتصنعه مذ بدأ تسليحهم في أيلول الماضي. قبلاً كانت واشنطن تخشى أن يصل السلاح إلى المتطرفين المندسين و"القاعدة" وشيئاً فشيئاً أخذت تطمئن. هي اليوم تشجع حلفاءها على إرسال السلاح والذخائر إليهم، ولكن ليس الأميركية الصنع. لا بأس فالعالم مليء بمصانع الأسلحة والذخائر.
لا يعني الموقف الأميركي عدم المطالبة بتغيير في لبنان. تستطيع قوى 14 آذار وغيرها المناداة بأعلى أصواتها لترحل الحكومة وتأتِ بدلاً منها حكومة إنقاذ أو حياد. ألسنا في بلد حريات وديموقراطية؟ أما إسقاطها فعلياً فليس وقته. تذهب حكومة ميقاتي بعد ذهاب نظام الأسد.
يقرأ السياسيون المتعاطفون مع الأميركيين التطورات السورية بتفاؤل واقعي يحمل مبرراته: أكثر من رئيس تكتل وتيار وحزب وشخصية سياسية سيكون عليهم أن يقلقوا بشدة على أحوالهم ومصائرهم عندما لا يعود ثمة شيء إسمه نفوذ النظام السوري في لبنان. هذا جديد لم يعتده لبنان منذ نشوء دولته واستقلالها. هناك أكثر من حبيب شرتوني كان مرتاح البال ورفاقه إلى الغطاء الواسع الكبير فوقه وبات محتاجاً في السياسة إلى غطاء يحميه. وليس القومي السوري بقيادة النائب أسعد حردان وحده في هذا الوضع. والظرف نفسه يفرض نفسه على النائب ميشال عون الذي ذهب في خيار استراتيجي دفع أثمانه سنوات وسيكون صعباً عليه الرجوع بعد سقوط هذا الخيار من غير أثمان أكبر. يجب أن يكون خصومه من المسيحيين طيبي القلوب حقاً بمعنى السذاجة كي يتركوه على قيد الحياة سياسيا. بالتأكيد سمير جعجع ليس طيب القلب إلى هذه الدرجة.
وما القول عن النائب سليمان فرنجية وتياره الذي سيكون عليه إجراء عملية إعادة نظر وتموضع شاملة وقبول ما كان يرفضه في الأحجام والموازين؟
أما "حزب الله" فسيكون عليه استخلاص العبر أقله انطلاقاً من واقعة أساسية مدوية: سيضطر هذا الحزب للمرة الأولى منذ ظهوره إلى التعامل مع نظام معاد له في سوريا ومع أطراف في لبنان لا يكنون له الود وستقسو لهجتهم في مخاطبته. في حين أن حلفاءه المحليين إما باشروا إجراءات الطلاق معه وأقله الإنفصال، وإما مثلهم مثله في العجز والإحباط غير المعلنين حتى الآن. تبقى إيران القادرة موقتاً على إرسال حقائب مال وليس أسلحة وذخائر. حتى الأسلحة والذخائر تصبح عبئاً على مالكها عندما تنهار القضية وتختل الموازين الخارجية بقوة. إسألوا أصحاب الميليشيات سابقاً.
ثم إن السياسة الأميركية تؤدي دور قوة التوازن في لبنان. مثلاً المؤسسة العسكرية التي يحلو لشخصيات معزولة مهاجمتها بين وقت وآخر- عن حق أو غير حق، هذا موضوع آخر- تحظى بعناية ومتابعة متميزتين من واشنطن التي تبقى صاحبة تأثير في هذه المؤسسة يعود في أسبابه إلى تاريخ من التعاون والتدريب ودورات تعليم الضباط والهبات والسيطرة على حركة تسليح الجيوش في البلدان الصغيرة كلبنان. لا يستطيع النائب معين المرعبي ولا غيره الإستناد إلى سيطرة حزب أو طائفة على مديرية أو أكثرفي المؤسسة العسكرية، مهما تكن فاعلية هذه المديرية، للإستنتاج أن فريقاً طائفياً أو حزبياً محدداً يمكنه السيطرة على الجيش وقراره.
في أي حال، المرعبي يقول كلمته ويمشي إلى خارج عالم النيابة. لا هو سيترشح في الـ2013 ولا "تيار المستقبل" سيرشحه. لا تستحق كلمته تكبيرها خصوصاً أن "المستقبل" أكد بوضوح وقوفه مع الجيش مراراً وفي بيانه أمس. وأميركا ودول العالم أيضاً تقف مع الجيش لأنها تريد استقرار لبنان الأمني، وهو رمزه رغم كل الملاحظات.