في العراق، أو في صربيا، في ليبيا أو في سوريا، أسرت موسكو نفسها بنفسها في مشكلة نفسية بالدرجة الأولى.
فالأنظمة "التقدميّة" في هذه البلدان لم تكن في العمق حليفة حيوية لها في أيّام الحرب الباردة. إسهامها "الحيويّ" كان في الغالب في الجانب الآخر: الإنشقاق اليوغوسلافيّ خدم استراتيجياً الغرب في الحرب الكوريّة. حرب صدّام حسين على ايران خدم استراتيجياً الغرب في منطقة الخليج. التدخّل السوريّ ضدّ المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية في لبنان يصعب وضعه هو الآخر في خانة الإصطفاف وراء موسكو.
أما بعد زوال الشيوعية، بالمعنى الإجماليّ لها في القرن الماضي، فقد تخلّصت أسواق تصدير السلاح الروسيّ بدورها من شعائر الأيديولوجيا، وصارت تأخذ بقوانين العرض والطلب والقدرة على الشراء والإقتناء، فلا يمكنها بالتالي إعطاء الأولوية لتصدير السلاح إلى بلدان متعثّرة اقتصادياً ومحاصرة دولياً، حتى بعد أن أعاد فلاديمير بوتين ربط تجارة الأسلحة بمؤسسات الدولة الإحتكارية.
على الرغم من ذلك، وجدت موسكو أن الحروب أو الثورات على هذه "الأنظمة التقدميّة" تؤدّي إلى تقليص نفوذها، الذي لم يكن حاضراً بالأساس إلا بشكل سطحيّ وجزئيّ وفولكلوريّ، أي بالشكل الذي لم تستذكره "الأنظمة التقدميّة" في البلدان المعنية إلا في لحظة ترنّحها أو احتضارها.
وروسيا تعلم جيّداً أين يكمن نفوذها الفعليّ أو حضورها الحقيقيّ، لكنها تفهم أيضاً أنّ السياسة ليست انعكاساً للواقع الموضوعي فقط، وأنّ ظهورها بمظهر من يخسر نفوذه هو خسارة إضافية لها، حتى لو لم يكن هذا النفوذ موجوداً في البلد المعنيّ، وبشكل فعليّ، من الأساس، قبل اندلاع الأزمة، حرباً كانت أو ثورة أو مزيجاً، مثلما تعلم أن تعلّق الميؤوس بها في آخر لحظة لن يحوّل هذا النفوذ الوهميّ إلى نفوذ فعليّ.
نحن إذاً أمام مشكلة نفسية حادّة: سقوط هذه الأنظمة هو خسارة لروسيا حتى لو لم تكن هذه الأنظمة بالفعل حليفة لها، سواء نُظر إلى هذا التحالف بمعيار اصطفافات الحرب الباردة وما بعدها، أو بمعيار أسواق التسلّح. وبهذا المعنى يمكن القول إنّ القاعدة الروسيّة في ميناء طرطوس هي "متحف" لا أكثر ولا أقل.
وهذه المشكلة النفسية الحادّة، وجدت لها في السياسة الروسيّة، وزيراً للخارجية يعبّر عنها بشكل نفسيّ حاد هو الآخر؛ شكلٌ اضطرّت موسكو قبل أيّام لإعادة لملمته من خلال كلام لرئيس وزرائها ديميتري ميدفيديف، خفّض نسبياً حجم الخلاف بين موسكو والغرب حيال الأزمة السوريّة. وهذا لا يعني أن ميدفيديف أصدق من سيرغي لافروف. لافروف أصدق منه لجهة التعبير عن حقيقة انجرار روسيا في الأشهر الأخيرة أكثر فأكثر لدعم الخيار الدمويّ لبشّار الأسد. لكن ميدفيديف أصدق لجهة التعبير عن السقف الذي تضعه روسيا لدعمها للخيار نفسه: هي تدعمه على أن لا يتسبّب ذلك بالإضرار بعلاقاتها مع الغرب، أي على أن لا يؤدي ذلك إلى التوهّم بأنّ النتائج الحاسمة للحرب الباردة والإنتصار الغربيّ فيها صارت وراءنا، وبالتالي فإنّ موسكو تعفي نفسها مباشرة من أيّ "خرق بشّاريّ" لأحد الخطوط الحمراء الاستراتيجيّة، من مثل لجوئه الى نقل المعركة الى بلدان أخرى، أو لجوئه الى أسلحة كيميائية او جرثومية، او لجوئه إلى المقاتلات الجويّة.
ليست هذه المرّة الأولى التي يتدخّل فيها ديميتري ميدفيديف محاولاً المعالجة "الكلامية" للمشكلة "النفسية" التي تأسر روسيا نفسها بنفسها فيها، فهذا دوره في أكثر من قضية وملف منذ قيام الثنائية الرئاسية التداولية بينه وبين فلاديمير بوتين. وهذه المعالجة "الكلامية" للمشكلة "النفسية" يمكن أن تبقى مجرّد آلية تعتمدها التركيبة القيادية الروسية للتخفيف من توتّر شخصيات أو مؤسسات فيها، لكن أيضاً يمكن أن تتطوّر إلى حيث ثنائية حقيقية، ثنائية تباين في الخيارات في داخل التركيبة القيادية الروسيّة، وهذا لا يمكن أن يرتبط فقط بالموضوع السوريّ.
أما فلاديمير بوتين، فهو يبدي بشكل ما قلقاً شخصياً غير مبرّر من عدوى انتقال "الربيع العربيّ" إلى موسكو، وهو يتماثل من هذه الناحية مع بعض التحليلات الرائجة المحرّضة ضدّه، لكن ليس هناك في الواقع الروسيّ اليوم ما يرشّح هكذا احتمال، خصوصاً بعد احباط "الثورة البرتقالية" في أوكرانيا، كما أنّ الموقف الروسيّ في سوريا لن يتسّبب بمشكلة حقيقية لبوتين تجاه الداخل الروسيّ، لأمر بسيط، وهو أنّ المعارضين الاساسيين له، من قوميين وشيوعيين، يوالون على طريقتهم بشّار الأسد.
لكن ما يمكن أن يواجهه فلاديمير بوتين أكثر فأكثر، هو ظهور ثنائية حقيقية داخل التركيبة القياديّة الروسيّة، بينه وبين ميدفيديف أو أي شخص آخر، وربّما كان من الجائز اعتبار الأزمة السوريّة مدخلاً لذلك، شرط امكانية تتبع المؤشّرات بدقة وعناية، وليس بالتمنيات المحض التي نبرع فيها كعرب.
ففي كلّ الحالات، إنّ المشكلة النفسية التي تأسر روسيا نفسها بنفسها فيها، بالشكل الذي نتجت عنه سياسة خارجية مؤسفة في الشأن السوريّ، هي مشكلة حادّة لا حلّ لها، إلا بإفراز قطب قياديّ جديد من داخل النادي الحاكم، سواء كان ميدفيديف نفسه أو ما يعادله على صعيد الشعارات "الليبرالية التكنوقراطية" التي تميّز بها ميدفيديف في البدء عن فلاديمير بوتين، داخلياً أو خارجياً، وفي الإقتصاد أو في السياسة، والمتمثلة بشكل أساسي ببث روح الإستقلالية بإزاء ما يعرف اختصاراً في الروسية بـ"السيلوفيكي" أي القوى الهيكلية للمركب الأمنيّ العسكريّ الإستخباراتيّ.
وكائناً ما يكون دور ميدفيديف التمايزيّ في المستقبل القريب أو البعيد، فإنّ كلامه الأخير في الأزمة السوريّة، جاء في لحظة فاصلة: لحظة ظهور المشكلة النفسية لـ"السيلوفيكيّ" بشكل نافر، في أسلوب تعاطي الخارجية الروسية مع الأزمة السوريّة، إبان معركة تحرير حلب.