يستحقّ "أمر اليوم" الموجّه من قائد الجيش جان قهوجي إلى العسكريين التوقّف عنده وتشريحه وتسليط الضوء على فقراته نظراً إلى أهميتها وما تحتويه من أدبيّات سيادية ورسائل سياسيّة في كلّ الاتجاهات.
ولكن لا بدّ قبل ذلك من الإشارة ولو بلغة الـ"أنا" التي لا أستسيغها مطلقاً إلى أنّ التنويه بهذا البيان لا يعني بأنّني من المدرسة الشعبويّة المارونية التي ترى بأنّ "الجيش هو الحل"، أو أنّ المهمّة التي يقوم بها هي مهمّة رسوليّة ومقدّسة، لا بل على العكس تماماً فهذه المؤسّسة تقوم بأبسط واجباتها التي أناطها بها الدستور، والمعبر الوحيد للخلاص الوطني المنشود هو في التزام كلّ مكونات البلد بروح هذا الدستور ونصّه، فضلاً عن أنّ نجاح دور هذه المؤسسة لا يتوقّف عليها بل يرتبط حصراً بالبعد التوافقي بين اللبنانيين، بمعنى أنّ غياب هذا الوفاق يجعلها مشلولة ومكبّلة والعكس يخوّلها القيام بالدور المطلوب.
وفي العودة إلى متن نصّ بيان "أمر اليوم" يمكن تجزئته إلى أربعة محاور:
أوّلاً، المحور المرتبط بالمواجهة مع إسرائيل، واللافت فيه يتّصل بالآتي:
أ- "الالتزام الدقيق بالقرارات الدولية والتنسيق الدائم مع قوّات الأمم المتحدة الموقّتة في لبنان".
ب- "تصدّي الجيش للعدو بكل القدرات ومهما كانت التضحيات (…) ووقوفه إلى جانب شعبه المقاوم سدّاً منيعاً أمام (…)".
لم يأتِ البيان في هذا المحور من قريب أو من بعيد على ذكر معادلة "جيش وشعب ومقاومة"، وأمّا الكلام عن الشعب المقاوم فيشمل كلّ الجنوبيين من كلّ الفئات من دون تخصيص "حزب الله" أو المقاومة أو تمييزهما. وذهب أكثر من ذلك عندما أكّد أنّ الجهة المولجة التصدّي والدفاع عن السيادة الوطنية هي الجيش اللبناني حصراً بدليل أنّه لم يتحدّث عن شريك للجيش في هذه المهمة. والأهم تأكيده الالتزام بالقرارات الدولية، هذه القرارات التي تُشكّل الضمانة لحماية لبنان، وفي طليعتها بالتأكيد القرار 1701. فالخطاب المُستخدم في الموضوع الإسرائيلي جديد والمعادلة الثلاثيّة التي يؤشّر إليها من دون الإعلان عنها قائمة على الآتي: "الشرعية المحلّية زائد الشرعية الدولية زائد الجيش اللبناني".
ثانياً، المحور المرتبط بالأحداث السورية إذ يُسجّل الآتي:
أ- إعلانه أنّ الجيش سيتحمّل مسؤولياته وفقاً لقرارات السلطة السياسية وتوجيهاتها. فهو تقصّد إعطاء هذه الإشارة منعاً للمصطادين في الماء العكر وتأكيداً بأنّ الجيش يترجم توجّهات السلطة السياسيّة.
ب- تشديده على حماية أهالي المناطق الحدودية ومنع انتقال الفتنة إلى لبنان. فالحماية المطلوبة للأهالي، وحتّى لو لم يُعلن ذلك، هي في مواجهة الانتهاكات السورية، وهذا الموقف يتكامل مع ما كان أعلنه رئيس الجمهورية من احتجاج على الخروقات السورية، فضلاً عن تصدّيه لمحاولات تصدير الأزمة السورية إلى لبنان، هذه المحاولات التي لم تتوقّف منذ اندلاع الأزمة السورية تحويراً للأنظار عمّا يحصل في الداخل السوري.
ج- تأكيده أنّه لن يسمح بتحويل الوطن إلى ساحة للخلافات السورية. يجسّد هذا الموقف دعوة صريحة إلى اللبنانيين لتحييد أنفسهم عن الأزمة السورية، وأنّ الجيش لن يتساهل مع محاولات تفجير الساحة اللبنانية وتجديد الحرب الأهلية، إذ تحت عنوان فريق مع الثورة السورية وآخر مع النظام تنزلق الساحة إلى مواجهات مبرمجة وموجّهة.
د- أمّا الكلام عن منطقة عازلة فهو على قاعدة 6 و6 مكرّر، لأنّ أحداً لا يفكّر في إقامة منطقة عازلة في لبنان.
ثالثاً، المحور المرتبط بالمؤسسة العسكرية، إن لجهة وحدة صفوفها وغياب التيارات داخلها، أو لناحية التأكيد بشكل غير مباشر أنّ الأحداث التي حصلت مؤخّراً في طرابلس وعكّار لن تنجح في الإيقاع بين الجيش وأهله. فمناسبة عيد الجيش تبقى أفضل محطّة لتوضيح الالتباس الذي حصل بعد الأحداث الشمالية ووضع حدّ لأيّ محاولة استغلال من قبل قوى مكشوفة تحت عنوان "أصدقاء الجيش" لاستهداف قائده.
رابعاً، المحور المتّصل بالاستحقاقات الدستورية، إذ أكّد أنّ الجيش سيكون الضامن لإتمام هذه الاستحقاقات في مواعيدها، كما الحريص على الحرية والديموقراطية وتثبيت الاستقرار. ففي ظل الربيع العربي، من غير المسموح أن تتحوّل الدول العربية إلى ديموقراطية وتخوض انتخابات فعليّة، فيما تتعطّل الانتخابات في البلد الذي كان السبّاق في إرساء نظام سياسي قائم على الحرية والديموقراطية.
وفي الخلاصة، إنّ أهمية "أمر اليوم" الأخير أنّه يختلف عمّا سبقه في أدبيّاته وتوجّهاته، فالجيش مهمّته الدفاع عن حدود لبنان وسيادته وليس تحويله عن سابق تصور وتصميم إلى أمن داخلي بلباس جيش بُغية إبقاء السلاح غير الشرعي خارج الدولة والتذرّع باستمرار "المقاومة" على حساب الدولة والجيش.
