تحت الضغط، رضخت وزارة الاتّصالات وأفرجت عن «الداتا»، مرفقةً بشريحة البصمة (الإيمزي). ولكن، كيف السبيل إلى التأكّد من أنّ «الداتا» التي تسلّمتها المراجع الأمنية والقضائية هي فعلاً «كاملة»، ولم تتعرّض لـ«التنظيف»؟
هذا السؤال طُرِح أخيراً على مسؤول أمني معني بالملف، فقال: "إنّ التلاعب بـ"الداتا" مسألة شديدة التعقيد، ولا نتوقّع حصولها، لكن ذلك يمكن أن يقع إذ ليس لنا قدرة على الرقابة في هذا الموضوع. وفي أيّ حال، إذا ما حصل ذلك، فسيكون فضيحة للّذين قاموا به، لأنّ هناك جهات مختلفة قادرة على كشف ما جرى، وهناك وسائل فاعلة لتحقيق هذا الهدف.
كذلك، يفضّل المعنيّون بمحاولتي الاغتيال الأخيرتين، اللتين استهدفتا رئيس حزب "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع والنائب بطرس حرب، عدم الطعن بالجهود التي بذلها رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، والتي أدّت إلى الإفراج عن "الداتا". ويقولون ردّاً على التساؤل عن جدّية تسليمها كاملة: لدينا شكوك في أن يكون التأخير المتعمّد في تسليم "الداتا" قد أدّى هدفه في تهريب الجناة وإضاعة بعض عناصر التحقيق. وهناك احتمال أن يكون الجناة قد بدأوا يستخدمون تقنيات أخرى بدلاً من الخلوي. ولكنّنا في ما يتعلَّق بسلامة "الداتا"، نترك للمتخصّصين والأجهزة الأمنية، بناءً على معلوماتهم وتحليلاتهم، أن يُقدِّروا ما إذا كانت هذه "الداتا" المُفرَج عنها سليمة أم إنّها تعرّضت للاجتزاء.
ولا يريد المعنيون بمحاولتي الاغتيال أن يقابلوا خطوة الإفراج عن "الداتا" في شكل سلبي، "فهي إنجاز انتظرناه وناضلنا في سبيله. لكنّنا نملك الحق في طرح الأسئلة عمّا إذا كان البعض يريد فعلاً تسهيل التحقيق في محاولات الاغتيال، أم إنّه يخبّئ مفاجآت وأساليب جديدة للعرقلة.
لكنّ أوساطاً في 14 آذار لا تخفي شكوكها في هذا الملف. وتقول: "إنّها مسألة ثقة في الدرجة الأولى. فوزارة الاتصالات رضخت مرغمة، وبعد المماطلة لأشهر، لمطلب تسليم "الداتا" الكاملة. وما زال الوزير نقولا صحناوي يجاهر باعتراضه على القرار. والإفراج عن "الداتا" يمكن أن يضيء، ليس فقط على محاولتي الاغتيال الأخيرتين، بل أيضاً على محاولات أخرى ومخطّطات وتهديدات. ولذلك، ليس منطقيّاً أن نتوقّع من هذه الوزارة، التي يديرها فريق سياسي وأمني معيّن، أن تُسلِّم طَوْعاً ما عندها بكامله منذ 15 كانون الثاني ولشهرين لاحقين بعد كلّ محاولة اغتيال. فذلك، بالتأكيد، يتعارض ومصالح هذا الفريق السياسية والأمنية.
الآلية يمكن خرقها؟
البحث عن جواب حول سلامة "الداتا" يستدعي التدقيق في الآلية التي تتمّ بموجبها. فشركتا الخلوي تُسلّمان "الداتا" إلى الوزارة بناءً على الطلب الذي تحيله إليهما من المراجع القضائية. وفي تقدير مصادر معارضة أنّ هناك جهات أمنية غير رسمية نافذة، ولها حضور في كثير من المواقع التي تدير حركة الاتصالات، وهي تمتلك قدرات هائلة على التنصّت والتحكُّم، ربّما تكون قادرة في الوقت عينه على التلاعب بـ"الداتا"، بحيث يجري إخفاء بعض منها عن الأجهزة الأمنية والقضائية. فالإمكانية التقنية صعبة ومعقّدة، لكنّها ليست مستحيلة.
وتستدلُّ المصادر على "سوء النيّات" بالتأخُّر المتمادي في الإفراج عن "الداتا". فعامل الوقت مُهمّ ليس فقط لتتاح الفرصة للجناة ليبدّلوا كثيراً من عناصر التحقيق على الأرض ويضيعوا بعضها الآخر، بل أيضاً ليطيِّروا بعضاً من عناصر "الداتا".
لكنّ المراجع الأمنية والقضائية المختصة تنتظر أن "تمشّط" ما يصل إليها من "الداتا". وهي حريصة على عدم الاجتهاد والغرق في الاحتمالات، والاكتفاء بما يتكوَّن لديها من عناصر ملموسة يفرزها التحقيق. وفي أيّ حال، لا تبدو المراجع مهتمّة كثيراً باحتمال "التلاعب" بـ"الداتا"، لأنّ هذه "الداتا" ممسوكة بضوابط يصعب التفلّت منها.
لكنّ هذا المقدار من الاطمئنان لدى المراجع لا يمنع من استمرار الأسئلة والشكوك لدى كثير من الأوساط السياسية المعارضة، ما دام كلّ شيء حولها يوحي بالغموض والالتباس.